الشبهة والبيان في اتباع العرب للمتشابه من ربيع الشعوب
لأن “الفتنة تقبل بشبهة وتنجلي على بيان” كما قال أخو العرب، فإن الربيع العربي الذي اندلع خريفا بالمغرب يقبر اليوم شتاء بالشام، بحصيلة مفجعة من الدماء والدمار، وإفلاس صغار المقامرين من شيوخ الخليج على طاولة قمار الكبار بمقدرات العرب، والرهان المتواصل على تصفية قضية العرب بتصفية قضايا العروبة.
ليس من السهل أن ينتقل المرء إلى التقييم بعقل بارد لأحداث دامية، دون الالتفات إلى الآلاف من الضحايا الأبرياء لهذه الفتن، التي “تقبل بشبهة وتنجلي على بيان” -كما قال قديما أحد حكماء العرب – هو في الحالة السورية بيان أخفته الشبهة في بقية المواقع التي مر عليها الربيع العربي.
موطن الشبهة الذي فجر الفتنة، له صلة بحصول وهم عند الكثير من قيادات القوى المعارضة لنظم الحكم في العالم العربي من أن التغيير السهل لنظام الحكم في تونس ومصر، بذلك الدعم الغربي غير المسبوق، وهو ينقلب على خيرة حلفائه وخدامه من حكام المنطقة، أن هذا التغيير قد بات ممكنا، مطلوبا، ومدعوما من جهة القوى الغربية، التي طالما عطلته بمساندتها غير المشروطة لأنظمة استبدادية.
.
شبهة الترحيل السهل لأنظمة الاستبداد
تلكم هي الشبهة التي عززها التدخل العسكري المباشر لقوات حلف النيتو في ليبيا، خارج ما كان يسمح به قرار مجلس الأمن 1973، وحصول حالة من الدعم السياسي والإعلامي لقطاعات واسعة من النخب العربية، بما فيها القيادات الدينية والروحية، التي اجتهدت لإصدار فتاوى تبرر الاستعانة بغير المسلم على المسلم، حتى أصبح الغرب اليوم يدان في المسألة السورية، لأنه متردد أكثر مما يجب في إرسال جيوشه، وتسخير ترسانته الحربية لتحرير سوريا من “نظامها المستبد” كما “حرر” العراق وأفغانستان، وتفكيك الجيش السوي كما فكك الجيش العراقي من قبل.
“موطن الشبهة الذي فجر الفتنة، له صلة بحصول وهم عند قيادات القوى المعارضة.. على أن تغيير نظم الحكم قد بات ممكنا، مطلوبا، ومدعوما من جهة القوى الغربية، التي طالما عطلته بمساندتها غير المشروطة لأنظمة استبدادية‘
هي ذي الشبهة التي استرجت قطاعات واسعة من الشعوب العربية إلى الانسياق خلف دعاة التغيير بالقوة الصلبة، بالثمن الباهظ الذي دفعه الليبيون، وستدفعه الشعوب في تونس ومصر واليمن وسورية، ومعها بقية شعوب ودول العالم العربي، التي لا تلتفت إلى ما يجري من حولها من صراعات بين القوى العظمى، وقد اتخذت من جغرافية العالم العربي مسرحا لصراعاتها، وهي تخوض فوق أرض سوريا وعموم بلاد الشام معركة فاصلة، في سياق إعادة توزيع أوراق لعبة الأمم التي سوف تبقينا مجددا خارج الفعل.
بيان الفتنة، وهي تلفظ أنفاسها في الشام، ربما لم يتضح بعد أمام أعين القوى السياسية المعارضة، حتى وإن كنا نراها تنتقل بسرعة البرق من تمجيد المواقف العربية والغربية قبل أسابيع، إلى شجبها وإلحاقها بالموقف الصيني للروسي.
.
جهاد في المسلمين بالمؤلفة قلوبهم
لقد احتفل كل طرف يوم الخميس بمرور عام على بداية الأحداث، بحصيلة عكست وجها مخالفا للكثير من التوقعات والرهانات. فقد استعرض النظام قدرا عاليا من التماسك لجبهته الداخلية، بتنظيم مليونيات في كبريات المدن السورية، فيما كان الجيش السوري يستعيد المواقع الساقطة بأيدي المجاميع المسلحة، في درعا وإدلب بعد حمص، ويطهر جيوبها في ريف الشام، فيما شهدت مجاميع المعارضة حالة من الانشقاق والتفسخ المتواصل لما سمي بمجلس اسطنبول، احتاجت إلى استدعاء الشيخ القرضاوي مجددا، ليجدد الدعوة من قاهرة المعز إلى جهاد في شام صلاح الدين، لا مانع عنده أن تشكل فصائله من العرب والعجم، ومن المسلمين والمسيحيين، ومن الذين لا دين لهم، في نسخة مبتكرة لجهاد في المسلمين بالمؤلفة قلوبهم.
ذلكم هو الجزء الذي بدأ يبرز من بيان الفتنة، بعد أن ارتدت مفردات الشبهة، وهو ليس وليد الساعة، ولم يأت نتيجة لما حققه النظام السوري حتى الآن على المستوى الأمني، وتفكيك كبرى معاقل المعارضة المسلحة، ولا هو وليد تصعيد في الموقف الروسي والصيني، ولم ير النور، لا مع الفيتو الروسي الصيني الأخير ولا مع الأول، بل إن الملف السوري، ومعه مشتقات الربيع العربي، قد أغلق كتابه في اللحظة التي انطلقت فيها طائرات فرنسية تدك مدرعات الجيش الليبي وهو على مشارف بن غازي، مستبقة بساعات تدخل قوات النيتو، وقد جرت قرار مجلس الأمن 1073 لغير ما اتفق عليه مع الروس والصينيين.
.
خطيئة النيتو التي وحلت ربيع العرب
لقد كان ذك القرار الغربي حماقة صرفة، وقراءة خاطئة لمدى استعداد روسيا والصين للدفاع عن مصالحهما الحيوية، التي لم تكن ذات أهمية في ليبيا حتى مع وجود النفط، ورأيناهما يتركان الحبل على الغارب لقوى حلف النيتو تعبث بالمشهد الليبي، وهي مصطفة مع مجاميع مسلحة منفلتة، لا شيء يميزها عن القاعدة، وكان تعويلهما على ما يعرفانه مسبقا عن القوى الغربية، من تجربتي العراق وأفغانستان، من قدرة خارقة على التدمير وزرع الفوضى، لا يضاهيها سوى قصورها المذهل في إعادة البناء والتحكم في الفلتان الأمني وهو ما حصل، ومنح لاحقا ذرائع قوية مشروعة، تخندق خلفها الروس والصينيون لتبرير الفيتو المزدوج، وإلحاق أول هزيمة حقيقية بالمعسكر الغربي منذ نهاية الحرب الباردة.
وسواء تعلق الأمر بسياسة الروس، العائدة بقوة إلى منطقة الشرق الأوسط والمياه الساخنة، أو الصين التي تدير منذ عقدين مواجهة مع الولايات المتحدة على مصادر الطاقة والأسواق والموارد، فإن الملف السوري قد منحهما فرصة الانتقال السلس، من ممانعة رخوة للتفرد الأمريكي، إلى مواجهة صريحة ومفتوحة، بدأت بتحرير مجلس الأمن من الهيمنة الأمريكية المطلقة، والإعلان لمن ليس في آذانه وقر، أن زمن إدارة العلاقات الدولية بمشيئة قوة عظمى متفردة بالقرار قد ولى بلا رجعة.
.
مشهد السقوط الحر في “باب الحارة”
ذلكم هو بيت القصيد وموطن البيان الذي خفي عن الكثير من الأطراف العربية الرسمية والشعبية، وهي تساق إلى أوحال فصل ربيع من المتشابه، ألبس عليهم فيه، فعموا وصموا، ثم عموا وصموا عن جلبة لعبة الأمم التي أديرت بعض معاركها بلحم ودماء الشباب العربي.
“المنتظر من التيار الإسلامي أن يتولى إذابة الانتماء القومي العربي، الذي يحتاج إلى تصفية القضية الفلسطينية محركه المستدام في العصر الحديث، ولأن تصفية قضايا العروبة تبدأ من تصفية قضية العرب الأولى“.
في الشهر الثالث من اندلاع أحداث سورية كتبت في هذا الركن تحذيرا زعمت فيه: “أن المعركة الحاسمة الفاصلة سوف تكون في سورية، وأن ما سمي بالربيع العربي سوف يلفظ أنفاسه الأخيرة ببلاد الشام” ليس لأن النظام السوري كان أقوى من الأنظمة التي رحلت رؤوسها، أو لأن الشعب السوري كان أقل حماسة وشجاعة من أشقائه المصريين واليمنيين والتونسيين والليبيين، ولكن لأنني كنت قد أبصرت موطن الشبهة في ربيع العرب، وهي تصنع في شارع بورقيبة بتونس الخضراء، ويكتب سيناريو العبث على الطريقة الهوليودية، ليصنع منه أكثر من “ريميك” على منوال “ريمبو” واحد واثنين وثلاث…
ومع اعتقادي أن أحداث الربيع العربي لم تكن كلها خيرا أو كلها شرا، وأن الشعوب العربية لا بد أن تخرج منها ولو بذهنية أكثر فطنة، وأقل انقيادا لشعوذة السحرة، إلا أن محصلة أحداثه قد أفضت إلى تعيين الطرف الخاسر، وبكلف لا يقوى اليوم على تقديرها.
.
دفتر المناولة الأمريكي للمقاولين العرب
فدول الخليج، المتحلقة حول محور الاعتدال، بقيادة الجناح الليبرالي في بيت آل سعود، ودولة قطر المنفوخة بالغاز المميَع والمميع، قد خرجت مرة أخرى خاسرة على طول الخط، كما خرجت من قبل مفلسة من رهانات رعناء في حربي الخليج، ثم في قمار أخرق على اندحار قوى المقاومة في لبنان وغزة، وكان حالها دوما كحال من ذهب يبحث عن قرنين فعاد مصلوم الأذنين.
لقد راهنت دول الخليج العربي على فصول الربيع العربي لسحق محور الممانعة وضرب إيران في جيوبها العربية، والاستقواء بوصول قوى إسلامية متعطشة للسلطة، تحتاج بالضرورة إلى المدد المالي الخليجي قبل وبعد إسقاط النظم، من أجل تحقيق جملة من الأهداف الاستراتجية هي على رأس أولويات دفتر المناولة الموكلة أمريكيا للقوى الليبرالية في العائلات الحاكمة في الخليج:
الأول: تصفية الملف الفلسطيني والصراع العربي الصهيوني دون عائق أو معوق، بما يلحق الهزيمة نهائيا بالقوى القومية، وبجانب من القوى الدينية التقليدية في الحجاز، بات ينظر إليها الجناح الليبرالي المتأمرك كقوة معوقة لمشروع دمج مجتمعات الخليج في ثقافة العولمة الأمريكية، وكانت على الدوام مصدر ازعاز لحكام الخليج في علاقاتهم مع السيد الغربي خاصة منذ أحداث 11 سبتمبر.
الثاني: إضعاف الجار الإيراني المتنامية قوته، بإخراج سورية من محور الممانعة، بما يحقق جملة من الأهداف: خنق وإضعاف حزب الله من غير حرب، وحرمان إيران من اليد التي تلعب بها في الملف الفلسطيني، وأخيرا ترهيب الأقليات الشيعية في جزيرة العرب.
الثالث: وهو هدف خفي، يريد إخراج المجتمعات العربية والإنسان العربي من المرجعية العربية أو ما سلم منها من حملات الهدم والتفكيك المتواصلة منذ عقود، لم يكن بوسع القوى الليبرالية أن تنجزها دون الاستعانة بالقوى الإسلامية، المؤهلة أكثر لتمرير النقلة بيسر نحو التعلق بمرجعية إسلامية فضفاضة، كانت على الدوام في صدام مع العروبة بحكم استعداء الأنظمة القومية الأحمق للكيانات السياسية الإسلامية.
.
مغارم شيوخ الخليج من حساب العجائز
على الورق كانت هذه الحسابات جد ذكية ومغرية، لولا كلفتها الباهظة حتى الآن على جميع الأصعدة، ولولا أنها كانت كمن يحسب بمفرده، وكأن المنطقة لم تشهد انكسارا مدويا للقوة الأمريكية العظمى في العراق، وكأن الأزمة المالية والاقتصادية العالمية لم تقلم مخالب الصقر الأمريكي، وكأن عقدين من النمو بنسب من رقمين لم يسعرا بما يكفي تنور التنين الصيني، وكأن الدب الروسي لم يخرج من سباته الشتوي، وكأنهم لم يروا أن الزمن هو زمن استنفار القوى العظمى لترسيم حدود جغرافية فضائها الحيوي كما تفعل الوحوش الضارية بفضلاتها، وأنه في الجملة ما كان لعاقل أن يراهن على تراجع الصين والروس في نصرة النظام السوري، الذي ألحقه هذا العداء الخليجي الأحمق بصورة دائمة بمحور أكبر وأوسع من المحور الإيراني السوري، ومنحه حماية سوف تشجعه على الممانعة أكثر في المضي قدما نحو التغيير والإصلاح.
.
تصفية قضية العرب بتصفية قضايا العروبة
الطرف الخاسر الآخر، الذي لم ينتبه بعد إلى أنه قد غرر به ليغرر بدوره بالشباب العربي، هو الإسلام السياسي بجناحيه الإخواني والسلفي، الذي ألقت له القوى العابثة بعظم السلطة يكدد عروقه، وما اختلط به من شحومها، ليجد نفسه في ذات الموقع الذي وجد فيه التيار اليساري الأوروبي أواسط القرن الماضي، ينتقل من قوة حاملة لمشروع بديل للنظام الليبرالي، إلى مجرد قوة ملحقة للنظام المنظم، يتنافس مع عدو الأمس على حسن إدارة بيت العقب الحديدي، ولأن القوى اليسارية الاشتراكية كانت هي أكثر القوى الفكرية والسياسية استعدادا لتحقيق النقلة المرجوة في أوروبا من الانتماء القطري القومي الذي يتعارض مع العولمة، إلى التعلق بمرجعية الفضاء الأوروبي المحرر من الهوية القومية، وذلك تحديدا ما يراد للتيار الإسلامي أن ينجزه في العالم العربي بإذابة وتفكيك الانتماء القومي العربي، الذي يحتاج إلى تصفية القضية الفلسطينية محركه المستدام في العصر الحديث، وتحتاج تصفية القضية الفلسطينية والصراع العربي إلى تصفية الانتماء الوجداني لفضاء قومي عربي.