الشقراء الأمريكية و”تنورة” فتاة سعودية
تابعت، كامرأة عربية مجنونة بآخر صيحات المودة و”التنانير”، الضجة الكبيرة التي أثارتها الفتاة السعودية “خلود”، بعد أن تجولت في شارع خال من الناس، مرتدية تنورة قصيرة وقميصا يكشف جزءا من بطنها..
القضية، كانت مسلية جدا بالنسبة إلي، لأنها كشفت مرة أخرى، وربما للمرة المليون، تناقضات رهيبة في موضوع تحديد الأولويات، وأكدت استحالة تحرير العقل العربي من “غيتو” الجنس والكبت العام في المنظور القريب، وهي المشكلة التي باتت تنافس في تعقيداتها في رأيي، مشكلة تحرير الأقصى نفسه من الاحتلال الإسرائيلي!
ما حدث مع “تنورة” خلود السعودية، خطير للغاية، لو حللناه مع تطورات الأوضاع العربية المتردية، المتسمة بمخاطر تهدد وجود الأمة في حد ذاتها.. فالذين أقاموا الدنيا ولم يقعدوها، وهنا المفارقة، هم الذين أعلنوا حصارا ظالما ضد دولة عربية أخرى هي قطر، وهم أنفسهم الذين صمتوا صمت القبور، حكاما وعلماء وإعلاما، حيال الهجمة الصهيونية الشرسة ضد أولى القبلتين وثالث الحرمين، وقد أعلنت إسرائيل صراحة أنها فرضت سيادتها الكاملة على المسجد الأقصى، ومنعت المصلين من الوصول إليه عبر بوابات إلكترونية مذلة للكرامة الإنسانية.
هؤلاء، يتحدثون الآن بلا حياء، عن الشرف! الشرف الذي سيضيع برأيهم مع إظهار فتاة مراهقة لسيقانها في الصحراء! ولست أدري أي شرف بقي لهؤلاء وأقدس المقدسات الإسلامية تنتهك في وضح النهار؟؟ بل وأي شرف بقي وجنود الصهاينة يركلون الفلسطينيات بأرجلهم، وينزعون عن رؤوسهن الخمارات، وربما اعتقلوهن وعبثوا ساخرين بأعضائهن الجنسية؟!
يحيلنا هذا العهر البواح، الذي نشاهده كل يوم، إلى الطريقة التي استقبلت بها ابنة الرئيس الأمريكي، إيفانكا، في السعودية، خلال زيارة أبيها إلى المملكة.. وقتها، لم يتحدث علماء السعودية ولا هيئة الأمر بالمعروف، كما فعلوا مع التنورة المباركة، عن تبرج إيفانكا، ولا عن تنورتها أو ماكياجها، بل إن أمراء الدولة الإسلامية الأولى في العالم، كانوا “يتملحسون” في سرهم، من شدة الإعجاب بالفاتنة الأمريكية الشقراء، ويمسحون شواربهم رغبا وطمعا، قبل أن يتدافعوا إلى دفع ثمن الجلوس مع هذه الشقراء، عشرات مليارات الدولارات في شكل صفقات أسلحة.
ولا أدري هنا، لماذا يحب البعض الدخول في معارك خاسرة من البداية.. معارك، فكرتها العامة، الكشف عن “عورة” المرأة؟ نحن لسنا مع التعري قطعا، لكن في الظروف التي انكشفت فيها عورة الأمة كلها من المحيط إلى الخليج، يصبح الحديث عن سيقان فتاة مراهقة هو نفسه قمة المراهقة السياسية. وقد أظهرت قصة الفتاة التونسية، أمينة تيلر، منذ سنوات مثلا، كيف هبت نساء حركة “فيمن” للنساء العاريات من مختلف أنحاء العالم، للدفاع عنها، بعدما نشرت صورا عارية لها في الفايسيوك وكتبت على صدرها “جسدي ملك لي وليس شرفا لأحد”!.. وقتها، لم يدرك الكثير من الإسلاميين التونسيين الذين سارعوا إلى إطلاق دعوة إقامة حد الجلد والرجم حتى الموت، أن تونس تمر بمرحلة حرجة بعد الثورة على نظام بن علي، فكانت النتيجة أن خصصت “فيمن” الرابع من أبريل يوما عالميا للدفاع عن أمينة العريانة، وخرجت فتاة تونسية أخرى اسمها مريم، وقد تعرت، تضامنا مع أمينة، وعاد بعد سنوات قليلة النظام القديم بثوب آخر، وعاد العري بأقذر ما كان عليه في الماضي، ليس في الشواطئ التونسية فحسب، بل وفي الساحات العامة أيضا.
في رأيي، إن الشرف يمكن أن يكون مرتبطا بجسد المرأة فحسب، عندما لا تكون الأمة في وضع الجارية التي تتقاذفها أيدي تجار الدعارة.. وعندما لا تكون الأرض مغتصبة.. أما ونحن في هذه الحالة التعسة، وقد رضينا بوضع الاغتصاب الجماعي (نساء ورجالا)، فإن طرح موضوع الشرف بهذه الشوفينية مثير للسخرية. وإلا، هل من المعقول أن تطارد سيقان فتاة مراهقة في الصحراء، بينما فنادق دبي مثلا كما أكد موقعُ”vice” الأمريكي، تعج بمظاهر السياحة الجنسية، تماما مثل الملاهي الليلية فيها، القائمة على تلبية الرغبات الدنيئة للمشايخ من أصحاب الشرف العالي؟
الشرف قيمة لا تتجزأ، كما أنه ليس له معيار مزدوج بين سيقان فتاة سعودية، أو شقراء أمريكية، وهو أكثر رفعة بكثير، لأنه يرتبط بالكرامة الإنسانية، عندما تدوس الأرجل الصهيونية عفة امرأة فلسطينية، وتمرغ لحية شيخ مسن في التراب على عتبات المسجد الأقصى.