الضبطية و”الهايكا” بين التحزب والاستقلالية
هل يمكن المقارنة بين سلطة الضبط الجزائرية للسمعي البصري والهيئة العليا التونسية المستقلة للسمعي البصري (الهايكا)؟ وهل تستطيع القنوات الجزائرية الاستجابة لدفتر الشروط، أم تعلن تمردها مثلما فعلت القنوات التونسية؟
سؤالان أساسيان يجيبان عما يجري في السمعي البصري في البلدين، لكن الإجابة عنهما تقتضي منا الحياد. فالتجربة الإعلامية الخاصة في تونس ولدت في أحضان النظام السابق واندمجت في الثورة التونسية واستطاعت 14 قناة تونسية أن تستقطب الجمهور التونسي وفئة واسعة من جمهور المغرب العربي سواء بسبب مشاركة شخصيات “مغاربية” أو برصد الأحداث في أقطارها، وليس غريبا أن يكون شعار بعضها أعلام أقطار المغرب العربي .
أمّا في الجزائر وإن تجاوزت الـ30 فضائية ما بين عامة ومتخصصة في مختلف مجالات الحياة من الرياضة مرورا بالإشهار وانتهاء بالطبخ فإنها لا تستطيع أن تتأقلم مع القانون السمعي البصري الذي أقر هذا العام بسبب عدم قدرته على الاستجابة لمتطلبات الاستثمار في هذا المجال.
النموذج التونسي والتجربة الجزائرية
تؤكد توطئة الدستور أن النظام التونسي “جمهوري ديمقراطي اشتراكي” وتنص المادة 31 منه على أن “حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر مضمونة ولا يجوز ممارسة رقابة مسبقة على هذه الحريات” وتدعمها المادة 32 بالتنصيص على أن الدولة تضمن “الحق في الإعلام والحق في النفاذ إلى المعلومة وتسعى إلى ضمان الحق في النفاذ إلى شبكات الاتصال”، ويخصص الدستور (الذي تمت المصادقة عليه مساء 26 جانفي 2014) المادة 127 منه لهيئة الاتصال التي تتشكل من 9 أعضاء مستقلين ومحايدين وأكفاء، كما نص المرسوم رقم 116 الصادر بتاريخ 2 نوفمبر 2011 على كيفية تشكيلها وفق المادة 7 منه تتكون من عضوين يعينهما الرئيس وعضوين آخرين تعينهما الهيئة القضائية وعضوين تعينهما الهيئة التشريعية وعضوين تعينهما نقابة الصحفيين وعضو واحد يعيّنه أصحاب المهن السمعية البصرية، ويشترط في هؤلاء الأعضاء “الاستقلالية والنزاهة ومشهود لهم بالخبرة والكفاءة في مجالات الإعلام والاتصال”، ومع ذلك فبمجرد ما بدأت اعتماد القنوات حتى واجهت مشاكل، فالقنوات التي ظهرت في عهد “الزين” على حد تعبير الشارع التونسي حاولت التمرد بعدم تجديد ملفها، أمّا التي ظهرت بعد الثورة فقد اعتبرت قرارات “الهايكا” تجاوزا في حقها بالرغم من أن المادة 31 من المرسوم رقم 116 تنص بوضوح على أنه “في حال ممارسة نشاطات بث دون إجازة تسلّط الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري غرامة تتراوح بين عشرين ألف دينار وخمسين ألف دينار، ولها أن تأذن بحجز التجهيزات التي تستعملها للقيام بتلك النشاطات”، مع العلم أن المادة 50 منه أمهلت هذه “المنشآت الاتصالية” المرخص لها سابقا تسوية وضعيتها في مدة أقصاها سنة من تاريخ صدور هذا القانون.
ولاحظت الهيئة أن قناتي “نسمة” و”حنبعل” لم تجدّدا انتهاء صلاحية الرخصة الممنوحة لكل منهما، وسجلت أن قناة “تونسنا” لم تقدّم ملفا للهيئة في حين أن قناتي (التونسية 1 و2) رُفض ملفهما بسبب عدم استجابتهما لـ”كراس” الشروط، فـ(التونسية1) مالكها هو سليم الرياحي (رئيس حزب الاتحاد الحر) ومرشح للرئاسيات، والقانون يمنع ملكية الأحزاب للقنوات الفضائية، في حين أن قناة التونسية 2 صاحبتها هي زوجة سامي الفهري التي تملك أسهماً في قناة “الحوار” التونسية تفوق 50٪ وتمنع المادتان (7 و10) هذا النوع من ازدواجية الملكية.
نظمت قناتا “نسمة” و”حنبعل” يوم 28 سبتمبر 2014 “بثا مشتركا بداية من منتصف النهار احتجاجا على قرار التوقيف”، وتحت ضغوط منظمات حقوق الإنسان واتحاد الشغل تم الاتفاق على تمديد مدة تجديد الملف إلى أجل 10 أيام، في حين أن قناة “التونسية” توقفت دون احتجاج، وسبق لـ(الهايكا) أن أوقفت برنامج “يحدث في تونس” بسبب بثه حلقة تحرّض على العنف في ليبيا بتاريخ الأربعاء 6 أوت 2014 في قناة “حنبعل”.
وحسب أول تقرير تصدره الهيئة فإن تدخلات الفاعلين السياسيين في هذه القنوات للحديث عن (العنف السياسي والإرهاب والحرب) شكل نسبة 51.7٪ في 14 قناة تونسية، والمشاركة النسوية في هذه القنوات لم تتجاوز 20.9٪ وغابت المرأة في قناتي (الإنسان) و(المستقلة)، بينما انخفضت نسبتها في قنوات أخرى إلى 0.8٪.
يراهن الإعلام التونسي على مرحلة ما بعد التشريعيات والرئاسيات اللتين يتم بواسطتهما إرساء ثوابت للديمقراطية وحرية التعبير والإعلام التي يضمنها الدستور التونسي.
أمّا بالنسبة للجزائر فإن سلطة الضبط لا تمثل القضاء ولا رجال الإعلام أو النقابة ولا أصحاب المهن السمعية البصرية باعتبار أن القانون يضبطها في تسعة أفراد يعين الرئيس خمسة منهم ويعيّن البرلمان بغرفتيه أربعة منهم، والمفارقة أن رئيسها قياديٌ في حزب “التجمع الوطني الديمقراطي” ممّا يجعلها تسقط في التحزب، ولا يستبعد المراقبون أن يتم تعيين الأعضاء من أحزاب الأغلبية، فهل يمكن الحديث عن استقلالية سلطة الضبط؟
تشترك بعض القنوات الفضائية الجزائرية مع بعض القنوات التونسية في عدد من الخصائص من أهمها الانحياز وتزوير الحقائق والتضليل الإعلامي والابتزاز واستغلال ذلك للوصول إلى الإشهار، فهل ستستعمل هذه الأساليب مع سلطة الضبط؟
ويبدو أن الـ14 قناة تونسية تتجه نحو التأقلم مع القانون، خاصة بعد استجابة أغلبها لقرارات “الهايكا” سواء بتجديد ملفاتها أو الاختفاء، لكن هل تستطيع القنوات الجزائرية الـ30 أن تعمل على احترام دفتر الشروط؟
* أمّا في الجزائر وإن تجاورت الـ30 فضائية ما بين عامة ومتخصصة في مختلف مجالات الحياة من الرياضة مرورا بالإشهار وانتهاء بالطبخ فإنها لا تستطيع أن تتأقلم مع القانون السمعي البصري الذي أقر هذا العام بسبب عدم قدرته على الاستجابة لمتطلبات الاستثمار في هذا المجال.
* تشترك بعض القنوات الفضائية الجزائرية مع بعض القنوات التونسية في عدد من الخصائص من أهمها الانحياز وتزوير الحقائق والتضليل الإعلامي والابتزاز واستغلال ذلك للوصول إلى الإشهار، فهل ستستعمل هذه الأساليب مع سلطة الضبط؟