الضغط والجدية وأخطاء المنافس قلبت الموازين
لم تكن هزيمة منتخب الجزائر في الدوحة أمام نظيره ومضيفه منتخب قطر بهدف في مباراتهما الودية عارا أو انكسارا كما ذهب إليها الكثيرون من عشاق الخضر، وكذلك لم يكن الفوز على منتخب عمان وديا 4-1 في الدوحة انجازا كبيرا يستحق الاحتفالات وتغيير الآراء من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.
في المباريات الودية لا تحتسب النتائج كمقاييس خاصة إذا حرص أطرافها على الاستفادة منها كتجارب، والشواهد من مباراتي منتخب الجزائر في الدوحة ضد قطر ثم عمان تحمل الاجابات الواضحة على الأسئلة التالية: لماذا جاء الأداء سيئا للغاية في المباراة الأولى؟ ولماذا تحسن كثيرا في اللقاء الثاني؟ وما هي العناصر التي يمكن أن يستفيد منها الجهاز الفني واللاعبون لتحسين عروضهم ونتائجهم في المسابقات الرسمية القريبة؟
وقبل البدء في التحليل لابد من الإشارة إلى حقيقتين أولهما تتعلق بالمدير الفني الفرنسي كريستيان غوركوف والذي تولى المهمة من ثمانية شهور ونصف..ورغم أنه تسلم منتخبا قويا مبهرا عائدا من المونديال إلا أنه لم يضع بصماته على الخضر حتى الأن.. ولابد أن يتدخل المسؤولون في الاتحاد الجزائري لكرة القدم لانهاء خلافاته الشخصية مع اللاعبين الدوليين العربي سوداني ونبيل غيلاس وعبد المؤمن جابو ليستفيد الفريق منهم مستقبلا.
وثانيهما أن المنتخب الجزائري الذي خاض بامتياز مونديال البرازيل اعتمد على عمود فقري من 14 لاعبا بتشكيلته.. هم الرباعي رايس مبلوحي ورفيق حليش وسفيان فيغولي وإسلام سليماني ولعبوا كل المباريات الأربعة.. ثم مهدي لحسن ومجيد بوقرة وسعيد بلكلام ونبيل غيلاس وياسين براهي، وكارل مجاني ونبيل بن طالب وعبد المؤمن جابو والعربي سوداني وعيسى ماندي وشارك كل منهم في ثلاث مباريات.. وخاض الثلاثي مهدي مصطفى وفوزي غلام وجمال مصباح مباراتين فقط لكل منهما في رواق الدفاع الأيمن والأيسر.. بينما كان دور حسن يبدة وسفير تايدر ورياض محرز محدودا عبر مباراة واحدة.
ولغة الأرقام تشير إلى غياب ثمانية نجوم موندياليين لأسباب مختلفة عن مباراة قطر وهم مبلوحي وبوقرة وحليش وبلكلام وغيلاس وسوداني وجابو وفيغولي.
لكن الغياب لم يكن السبب الأكبر في الهزيمة بقدر حالة الاستهتار والفردية التي سادت الأداء واللاعبين معظم فترات اللقاء.. ولم يمنح الهدف القطري في منتصف الشوط الأول للاعبي الجزائر أي حماسة أو اهتمام للتعويض وظلوا على فرديتهم حتى نهاية اللقاء..ولولا براعة وتألق وتوفيق حارس المرمى الشجاع عز الدين دوخه لكانت الهزيمة أثقل.
وإذا كانت عودة فيغولي أمام منتخب عمان قد صنعت فارقا مؤثرا في الأداء والنتيجة والفاعلية إلا أن ثلاثة عوامل أخرى كانت الفاصلة في الفوز العريض للخضر أمام ثلاثة ألاف من أنصارهم المتحمسين في ملعب نادي قطر.
ويمكن تقسيم تلك العناصر إلى أسباب فنية وخططية أولا وأسباب معنوية ونفسية ثانيا وأمور تتعلق بمستوى المنتخب المنافس ثالثا.
على الصعيد الفني كان الضغط الجماعي للاعبي الجزائر في معظم أرجاء الملعب فارقا في التفوّق.. واجتمع الضغط مع التحركات الكثيرة والانتشار الواسع على جانبي الملعب، لاسيما في الهجوم في الثلث الأخير من الملعب.. ومشاهدة الهدف الأول تكشف أثار الضغط العالي عند منطقة جزاء عمان في إحراز بلفوضيل للهدف الباكر الذي حسم المباراة أو قتلها.. ورغم أن الهجمة المنظمة للخضر لم تكتمل بتمريرة خاطئة نحو مدافع عماني إلا أن الضغط القوي والسريع على المدافع أجبره على التشتيت بدون تركيز فاصطدمت الكرة بجسم شنيحي الذي نفذ الضغط وسقطت في منطقة الجزاء.. ومجددا كان المدافع العماني أقرب نظريا وعمليا إلى الكرة، لكن الضغط السريع ورد الفعل من إسحاق بلفوضيل منحه الأولوية في الوصول إلى الكرة ليخطفها ويسددها بإتقان بعيدا عن يدي الحارس علي الحبسي من مسافة قريبة.
والجانب الثاني يتعلق بعودة الجدية للاعبين وإحساسهم بالغضب الجماهيري العارم لعشاق الخضر في كل مكان بعد الهزيمة من قطر.. ولمس الجميع حجم الجدية في الأداء والرغبة في الفوز من الدقائق الأولى للقاء، سواء في معدل بذل الجهد أو التحركات الدائبة والانتشار الواسع.. أو في ألعاب الالتحام خلال الكرات المشتركة، وكسب لاعبو الجزائر الغالبية من تلك الكرات.. ويدرك المتخصصون في كرة القدم دور الشحن والدوافع والجدية من خلال الأداء القوى في الالتحام.. وكذلك من إصرار لاعبي الجزائر على زيادة رصيدهم من الأهداف حتى وصولوا إلى الرقم أربعة ولولا عناد العارضة تارة، وبراعة الحارس الحبسي تارة ورعونة بلفوضيل وبراهيمي وشنيحي في ثلاث فرص لوصل الرصيد إلى ثمانية أهداف.
أما ثالث الجوانب التي سمحت لمنتخب الجزائر بالفوز العريض على منتخب عمان (بعد أيام قليلة من فوز عمان على ماليزيا وديا بستة أهداف نظيفة) أن لاعبي عمان ارتكبوا عددا ضخما من الأخطاء، لاسيما على الصعيد الدفاعي.. وتحوّل مدافعو عمان إلى جماهير موجودين في أرض الملعب خلال الهدف الأول وهم يتابعون منافسيهم يتبادلون الكرة.. وجاء تدخل المدافع الذي شتت الكرة خاطئا بالتسديد في جسم منافسه، بدلا من إبعاد الكرة نحو منطقة خالية.. ثم كان رد فعل أخر المدافعين بطيئا للغاية أمام بلفوضيل.. وفي الهدف الثاني كان غلام وحيدا في الجناح الأيسر وامتلك كل المساحة والزمن لارسال كرته العرضية داخل منطقة مرمى عمان.. ومرت الكرة القوية أمام المشاهدين من الدفاع العماني حتى جاء فيغولي الأبعد عن الكرة ليخطفها داخل الشباك..وما كان لاعب فالونسيا ليصل إلى الكرة أبدا في مواجهة أي دفاع يقظ.. وفي الهدف الثالث تبادل لاعبو الجزائر الكرة في اليسار بكل يسر تحت عيون المدافعين أو المشاهدين حتى انتهى الأمر بتمريرة من سليماني داخل منطقة الجزاء إلى فيغولي (الوحيد تماما دون أي رقابة) داخل منطقة الجزاء أيضا، فسدد مرتاحا مستفيدا من المساحة والزمن وغياب الضغط.. وفي الهدف الرابع وهو نموذج للتنفيذ الصحيح للهجمة المرتدة في كرة القدم وجد سليماني وبلفوضيل فضاء واسعا أمامهما في نصف الملعب العماني في غياب غريب للمدافعين.. واختار سليماني فضيلة التمرير والعمل الجماعي ومصلحة الفريق.. وأهدى بلفوضيل الكرة ليضعها في انفراد تام مع الحارس الحسني ليسجل باقتدار.
4 ـ 1 فوز كبير جدا.. ولكنه لا يمنح جوائز ولا كؤوس.
والفائدة الكبرى من الفوز تكمن في ضرورة الالتزام الدائم بالعمل الجماعي والضغط والجدية وتوفير الحوافز والدوافع للاعبين في كل المباريات.