-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

العصفور والغراب..!!

مروان ناصح
  • 1479
  • 0
العصفور والغراب..!!

-1-اتصل المدير العام بي هاتفياً وقال: “سأرسل إليك الآن أحد الأصدقاء، وهو الممثل المعروف (أ) ومعه نص لمسلسل كتبه بنفسه، ويقول عنه إنه “لمعة” جديدة في الكتابة الدرامية.. وبيني وبينك فأنا ميّال إلى الوثوق بما يقول، لأنني أراه فهيماً في أمور كثيرة إلى جانب مقدرته الفنية الثابتة في “التمثيل”.. وما أريده منك أولاً: أن تطبق عليه شعارك الذي تردده دائماً: “السرعة والإتقان” وثانياً: أن تساعده في تجنب بعض وجوه الخلل في النص، إذا ما وجدت فيه روحاً تستحق الحياة.. وفهمكم كفاية”..

وما أسرع ما جاء إلينا في دائرة الرقابة، ذلك الممثل يحمل أثقاله الدرامية، وقد أبى عليه “الإبداع” أن يتركها بين أيدينا وحيدة غريبة “كالأيتام على مائدة اللئام”..!! فقام بعقد ندوة ضمت الحاضرين من القراء والضيوف في تلك الساعة، وجعل يطلب من كل عابر سبيل أن ينضم إلى تلك الندوة، التي لم يتحدث فيها أحد سواه، وكان موضوعها هو ذلك المسلسل وقصته من الفكرة إلى الشاشة، مع إضاءات _ وجدها ضرورية _ على عوالم الشخصيات، والموضوعات الجزئية، والأبعاد النفسية والتربوية والأخلاقية التي تحملها الرسالة النهائية لذلك العمل..!! ولم يكن بوسع أحد من الحاضرين مقاطعته، أو مغادرة مكتب الرقابة، بعد أن رأى جمعهم ما حلّ بذلك المخرج الذي قادته المصادفة البائسة إلى حضور هذه الجلسة التعذيبية، ودفعته روحه النزقة إلى محاولة الاعتذار والمغادرة، فكان “نصيبه” محاضرة تأنيبية، في أصول “الاستماع”، ومطاردةً وشدّاً وجذباً إلى الجلوس، ومتابعة تلك “البدعة” بقوة التخجيل والهيمنة “العبقرية”..!! غير أنني أشهد بأن حفلة “الجَلْد” تلك لم يكن لها أثر سلبي مسبّق على الزملاء القراء الذين تسلحوا بصبر أيوب، واستعانوا بكل المعوذات على إتمام قراءة ذلك العمل الدرامي الرهيب..!!

وقد دفعتني تقارير القراءة التي كتبها الزملاء القراء _ وقد تضمنت آراءهم السلبية القاطعة، في شكل ذلك المسلسل ومضمونه _ إلى قراءة ثلاث حلقات منه، بصعوبة دونها “خرط القَتاد”. كما جاء في أدبياتنا التراثية _ القتاد: شجر شائك _ وكان ذلك على سبيل الاستعداد، لمواجهة “هاتف” المدير العام، المتوقع الذي لم يطل انتظارنا له كثيراً:

 – “خبرني.. ماذا فعلتم بالمسلسل الذي أوصيناكم به خيراً..”؟!

قلت:

– “النتيجة.. هي ما أبلغكم إياها الفنان صاحب العمل..!!”

فقال:

– وممّ يشكو هذا المسلسل..؟؟

– إنه لا يشكو إلا من علة واحدة، هي أن هذا السيد الفنان قد رمى بنفسه في بحر الظلمات، وهو لا يجيد السباحة، وارتكب عدواناً على فن الكتابة الدرامية، وليس له فيه نصيب من موهبة ولا حرفة..!! إنه يمارس _ كما يقولون بالعامية “الفصيحة” _ : “شغلة مو شغلتو”..!!

فما كان من السيد المدير العام إلا أن صرخ محتجاً: “بَسْ هُوّا..!!” (أي: أهو الوحيد..؟؟) وكان من حظ تلك الجملة الفريدة _ في تلك الأيام من التسعينيات _ أن ذهبت مثلاً، وأصبحت نغمة “انتقادية” ساخرة على كل شفة ولسان..!!

لكنني ما زلت حين أتذكر “نفخة” ذلك الفنان المعتدي على فن كتابة الدراما، أتذكر معها فن التواضع الذي علمنا إياه سقراط كبير مفكري الدنيا _ في القديم والحديث _ وهو يردد اعتذاره عن الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها: “إن الإنسان يمد يده إلى القفص، ليخرج عصفوراً، فيجد الذي في يده غراباً..!! لقد أراد العصفور فجاءه الغراب..!! إنها غلطة في الاختيار.. ولكنها غلطة غير مقصودة..!!”


-2-

في ضجة التقييمات “النقدية” المتلاحقة، واستطلاعات الرأي المتكاثرة التي تنشرها الصحافة بعد كل موسم درامي .. تكثر الكلمات، والمصطلحات المتطايرة المتقافزة على الشفاه، وبين السطور.. غير أن مصطلح “وجهة نظر” هو الفائز دون شك بينها جميعاً بأكثرية ساحقة، فهو يكاد لا يغيب عن لسان أحد من المتحدثين، أو قلم أحد من الكاتبين.. وهو أيضاً مثل العدسة اللاصقة بالعين.. لابد لك من أن تشتريها وتضعها.. وتنظر بها أو من خلالها، حتى تجيب عن أسئلة الغادين والرائحين من أصحاب “وجهات النظر” الأخرى: أي مسلسل تابعت.؟ وما المسلسل الأكثر مشاهدة.؟ وأيها كان الأجمل.؟ وأيها كان “المتفوق” و”الساحق”.؟ وكل ذلك من “وجهة نظرك”..!! أي بعدستك اللاصقة..!!

فإذا غادرك كل هؤلاء “السائلين” وجدت نفسك أمام سؤال وحيد يطن في رأسك مثل ذبابة ملحاحة: هل كانوا جادين حقاً في طلبهم “وجهة نظرك”.؟ مع أنهم يعلمون يقيناً أن عدد الأعمال التي كانت معروضة لا يتيح لأحد أن يشاهدها كلها.. ولا نصفها.. ولا حتى ربعها..!! حتى يدلي برأي موضوعي يستطيع أن يركن إليه بطمأنينة ضمير..!! أم أنهم كانوا يؤدون لغواً أو لغطاً مكروراً ومطلوباً منهم، وهم يعلمون أنه لا طائل من ورائه.؟! ولعل الطامة الأكبر في لعبة “وجهات النظر” هذه أن بعض من كتبوا مقالاً يؤكدون فيه تفوق هذا العمل أو ذاك سددوا “وجهة نظرهم” الشاملة من خلال العمل الوحيد الذي شاهدوه أو من خلال عملين مجتزأين لا أكثر..!!

وأين هؤلاء _ وا أسفاه _ من ذلك الأعمى الذي قام بدوره الممثل المصري الكبير محمد صبحي، في مسرحية “وجهة نظر” للكاتب المسرحي لينين الرملي.. فقد كان مجرد “أعمى بصر” في عالم يكاد يغص بعميان البصيرة..!!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!