الغاز الصخري.. تجارب “نووية” جديدة أم شرّ لا بدّ منه ؟
تباينت مواقف وآراء ضيوف منتدى “الشروق” من تقنيين وسياسيين بخصوص قرار السلطات العمومية باستغلال الغاز الصخري رغم الأصوات التي تعالت محذرة من مخاطر العملية. وانقسمت بين من يرى بأن استغلال هذا المصدر الطاقوي سيكون حتمية في ظل تراجع القدرات الإنتاجية لسوناطراك وعدم وجود إنتاج كاف في الظرف الراهن، في حين اعتبر ممثل المعارضة في البرلمان أن القرار يراد به ضمان مورد آخر لشراء السلم الاجتماعي.
وعكس ذلك رأى نواب الموالاة أن عدم الشروع في بحث واستكشاف هذا المورد الطاقوي المهم سيكون خطيئة تاريخية لا تغتفر للجزائر، وذهبوا إلى اعتباره قرارا جيواستراتيجيا لا بد منه، وأكدوا أن النقاش الدائر غذاه الظرف المتسم بمخلفات الرئاسيات، وقللوا من المخاطر البيئية التي من الممكن أن تنجر عن عملية الاستغلال.
الرئيس المدير العام الأسبق لسوناطراك نزيم زويوش:
سوناطراك “موّلت” استيراد الكيوي والبطاطا.. والغاز الصخري هو الحلّ
قال الرئيس المدير العام الأسبق لسوناطراك، نزيم زويوش، إن القضية الجوهرية في قضية استغلال الغاز الصخري هي ارتفاع تكلفته بالنظر إلى التكنولوجيا المستعملة حاليا، وليس قضية تأثيره ومخاطره على البيئة والمياه الجوفية، مشيرا إلى أن حرق الغاز مثلا في الحقول ممنوع لكن الإجراء لم يلتزم به أحد.
وأوضح نزيم زويوش بأن الصين ونظرا إلى ارتفاع تكلفة استخراج الغاز الصخري ورغم كونها صاحبة أكبر احتياط في العالم حسب التقديرات المتوفرة، لجأت منذ أيام إلى توقيع عقد ضخم مع روسيا لاستيراد الغاز بـ 450 مليار دولار، وقررت التريث أكثر في استغلال الغاز الصخري.
وأشار المتحدث إلى أن حفر بئر للغاز الصخري بعمق 500 متر ستكون إنتاجيتها في حدود 50 مليون متر مكعب من الغاز سنويا، بضخ 25 ألف متر مكعب من الماء والرمل، بينما ينتج بئر واحد في حقل حاسي الرمل من 3 إلى 4 ملايين متر مكعب يوميا، إضافة إلى كون بئر الغاز الصخري يتراجع مردوده بعد نحو عام من الاستغلال بـ 40 بالمائة، وهو ما يطرح ارتفاع التكلفة المالية لاستخراجه ويتطلب حفر آلاف الآبار ليكون الإنتاج معتبرا، مشيرا إلى إنه وفي الوقت الحالي، فإن تحسين إنتاج الحقول التقليدية للطاقة أحسن من استخراج الغاز الصخري، إذ إن تحسين حقل حاسي مسعود بـ 1 بالمائة سيكون له مردود بـ 500 مليون برميل نفط، وهو يضاهي استكشاف حقل ضخم.
واعترف المتحدث بأن استخراج الغاز الصخري المعروف بغاز الشيست بالتكنولوجيا الحالية له مخاطر على البيئة والمياه الجوفية والنظام البيئي ككل، لأن المياه الملوثة يمكن أن تعود إلى السطح وتشكل خطرا على الساكنة، مؤكدا على أن مخاوف السكان تبقى مشروعة.
توليد الكهرباء والطلب الداخلي التهم إنتاج الجزائر من الغاز
وشدد زويوش على أن الأولوية الحالية هي تغيير وتحسين سياسة إنتاج الطاقة التقليدية الحالية من غاز وبترول، لأن الغاز والبترول في الجزائر لم يقولا كلمتهما الأخيرة بعد، خصوصا في ظل الارتفاع الكبير للطلب الداخلي على الغاز وخاصة لإنتاج الطاقة الكهربائية وتأثيره على قدرات الإنتاج. وتحاشى ضيف “الشروق” الربط بين تجميد مشروع غالسي الذي كان سيربط بين الجزائر وإيطاليا عبر جزيرة سردينيا، وتراجع قدرات الإنتاج الجزائرية، مشيرا إلى أن التوجه إلى الغاز الصخري بالتكنولوجيا الحالية ومخاطره على البيئة سيكون حتمية، ولو أن ذلك لن يتم حسبه قبل مدة 20 أو 30 سنة من الآن.
واعتبر زويوش بأن سوناطراك لا تتوفر على الإمكانات المادية والبشرية لاستخراج الغاز الصخري، لأن التكنولوجيا جديدة ومدة البحث والاستكشاف تصل إلى 12 سنة، وعليه فسوناطراك ستستورد الوسائل والمعدات والعنصر البشري كذلك، وعليه وجب التحضير للعملية من الآن.
وأكد المتحدث أن تحسين طاقات استخراج المصادر الحالية للطاقة التقليدية من بترول وغاز، من شأنه تأخير موعد استغلال الغاز الصخري المكلف، وشدد على استثمار المداخيل في بناء الاقتصاد المنتج الحقيقي وليس في تحويل مبالغ بالملايير من عائدات المحروقات لجلب الكيوي والبطاطا من الخارج.
نائب رئيس لجنة الشؤون الاقتصادية بالبرلمان.. سعيد لخضاري:
عدم البحث عن الغاز الصخري سيكون خطأ تاريخيا
اعتبر نائب رئيس لجنة الشؤون الاقتصادية ونائب الأفلان عن ولاية تيزي وزو سعيد لخضاري أن النقاش الدائر حول قرار السلطات استغلال الغاز الصخري، جاء في مرحلة غير مناسبة، طبعتها مخلفات الحملة الانتخابية للرئاسيات الأخيرة، واستبعد وجود خطر داهم لاستغلال هذا المصدر الطاقوي غير التقليدي كما صوره البعض، ويجب شرح وتوضيح القضية أكثر للرأي العام.
وحسب ممثل الأفلان بالغرفة السفلى فإنه لا فائدة من نقاش لخلق الفتنة فقط من أجل الفتنة، مشيرا إلى أن الباحثين والمتخصصين في المجال لم يؤكدوا أن استغلال هذا المصدر الطاقوي يشكل مخاطر على الساكنة، معتبرا أن هناك دولا تريد أن يبقى العالم الثالث تابعا لها في الطاقة النووية، وخاصة فرنسا التي لا يساعدها أن تصبح للجزائر تقنية استخراج الغاز الصخري.
وشرح النائب الأفلاني أن المادة 23 مكرر في قانون المحروقات لم تكن موجودة، وتم اقتراحها من طرف النواب، حيث أضافت شرطا وهو موافقة مجلس الوزراء على أي قرار لاستغلال الغاز الصخري، وقال “انتم تعلمون أن مجلس الوزراء يترأسه رئيس الجمهورية وهو الضمان الأول“، وأضاف “حتى ذات المادة تتضمن فقرة تتحدث عن إمكانية تمديد فترة البحث والاستكشاف“.
ووجه لخضاري كلامه للمتخوفين من استغلال الغاز الصخري، وأكد على أن القانون يشترط 11 سنة من البحث والاستكشاف قبل الشروع في مرحلة الإنتاج، وقال “من الآن وإلى غاية هذا الموعد ستتغير الكثير من الأمور وبدون شك ستكون هناك تقنيات وتكنولوجيات جديدة“.
واعتبر المتحدث أن الجزائر سترتكب خطأ تاريخيا إذا لم تباشر البحث والاستكشاف لمكامن الغاز الصخري وطرق استخراجه من الآن، بعد أن أعطى مجلس الوزراء الضوء لذلك، حيث استبق عملية الاستخراج بـمسار يمر عبر عدة مراحل من 11 سنة.
وفي الشق المتعلق بالأخطار البيئية، أوضح لخضاري أن المواد الواردة في قانون المحروقات كانت واضحة، وشددت جميعها حسبه، على احترام معايير السلامة البيئية اشترطت إشراك الوزارة المعنية في القضية.
النائب عن الأرندي.. بكراوي عبد القادر:
لا داعي للقلق.. شروط مشددة لتجنب الآثار المحتملة على البيئة
اعتبر بكراوي عبد القادر، نائب عن التجمع الوطني الديمقراطي ممثلا لولاية أدرار في ندوة “الشروق“، ما يشاع عن خطورة استغلال الغاز الصخري وآثاره على البيئة والصحة هو مجرد تهويل إعلامي وتخويف وترويع، حتى لا تتمكن الجزائر من استغلال أهم ثرواتها وهو الغاز الصخري، حيث أكد ذات المتحدث أن المادة 18 تفرض ضوابط مشددة لاستغلال هذا الغاز وتجنب الآثار المحتملة على البيئة، وأضاف بأن المصادقة على استغلال الغاز الصخري في الجزائر لم تحدث إلا بعد الاستماع للمختصين في هذا المجلل ومنهم وزير الموارد المائية، وكذا وزارتي البيئة والطاقة، وكل واحدة من هذه الوزارات أعطت ملاحظاتها وتعديلات على المشروع قبل الموافقة عليه، وأن كل عقود سوناطراك تحوي بنودا حول المحافظة على البيئة ولن يتم التنقيب على الغاز الصخري دون تطبيق هذا البند.
وقال بكراوي بأن سوق الغاز التقليدي تهاوت، وهو ما يفرض على الجزائر اللجوء إلى استغلال الغاز الصخري، وأكد في السياق ذاته على أن كلام عبد المالك سلال خلال عرضه لمخطط عمل الحكومة، قصد من خلاله بأنه يجب التحضير لما هو قادم، أي خلق “ثروة للأجيال“، مشيرا إلى أن الجزائر تبقى لديها عدة مداخيل وثروات باطنية يجب استغلالها أحسن استغلال، واعتبر بأن الغاز الصخري ممكن أن يتواجد في أي مكان في الجزائر وليس فقط في الصحراء، وما علينا –يقول ذات المتحدث– سوى تحضير الدراسات والأبحاث والإمكانيات لاستغلاله.
ودعا بكراوي إلى ضرورة المضي قدما في استغلال الغاز الصخري واستغلال كافة الطاقات البديلة المتاحة على غرار استغلال الطاقة الشمسية، وكذا طاقة الرياح، وفي إجابته على سؤال الشروق بخصوص انتفاضة سكان الجنوب، وخاصة أدرار ضد قرار الحكومة لاستغلال الغاز الصخري ورفضهم أن يكونوا فئران تجارب؟ قال “سكان أدرار والجنوب لم يتم توعيتهم بالشكل الجيد وإنما انصاعوا وراء التهويل الإعلامي والمغالطات التي يتم نشرها“، وأضاف “الوزير الأول قال ليس لدينا مخرج، ويجب علينا اللجوء للغاز الصخري تحسبا لـ30 سنة القادمة“، وأردف “أصبحنا في عالم لا يرحم، ويجب أن يكون لدينا اقتصاد قوي“، وأكد في السياق ذاته على أن الدولة جندت كل الإمكانات للمشروع، ومنها 6 مدارس لتكوين الإطارات الجزائرية في القطاع.
النائب عن حزب العمال.. قوادرية إسماعيل:
الدول الغربية تخشى استغلال الجزائر للغاز الصخري
أكد قوادرية إسماعيل، النائب عن حزب العمال، على أن الجزائر مستهدفة من قبل القوى الكبرى ومن الخارج، والدليل على ذلك التهويل الحاصل وزرع الشك بخصوص استغلال الغاز الصخري، وكل هذا ـ حسبه ـ حتى لا تصبح الجزائر قوة عظمى وتتحكم في مجال الطاقة والغاز، مشيرا إلى أنه يجب ضمان الحاجيات الطاقوية للمستقبل، وهذا مع التزايد المستمر للاستهلاك وخاصة الكهرباء والغاز، ولذا يجب التنقيب عن مداخيل طاقة جديدة لاستغلالها، بما في ذلك الطاقات القديمة .
وقال قوادرية “نحن نناقش قرار استغلال الغاز الصخري من النواحي الجيواستراتيجية والاقتصادية والسياسية والتطور الديمغرافي، وهذا من أجل ضمان الحاجيات الطاقوية، خاصة في ظل ارتفاع الطلب الداخلي للغاز، والزيادة في استهلاك الكهرباء والبنزين“.
وأشار ذات المتحدث إلى أن الجزائر مصنفة في المرتبة الثالثة عالميا باحتياطي 25 ألف مليار متر مكعب، وهو ما يقلق الدول الغربية والتي تخشى أن تصبح الجزائر في مقدمة الدول المنتجة لمصادر الطاقة، وكشف بأن الولايات المتحدة سبق لها في عهد الرئيس هواري بومدين أن طلبت من الجزائر استغلال الغاز الصخري باستخدام تقديم التفجير النووي، لكن الجزائر رفضت لما له من مخاطر وآثار على البيئة .
واعتبر قوادرية بأن الدول التي تملك أكبر احتياطات من الغاز الصخري والبترول هي التي تتخوف من استغلال الجزائر لهذه الطاقة، وأضاف” هذه الدول لم تقبل أن تكون الجزائر على رأس معسكر الغاز وتتحكم في السوق، لذا يجري زرع المخاوف والشكوك بخصوص استغلاله“، ليقول ” الدراسات موجودة حاليا ويجب المرور إلى مرحلة استغلال الطاقة” وأردف“الغاز الصخري طاقة يجب استغلالها ولا يمكننا تغليط الرأي العام بخصوص مخاطرها، لأن التكنولوجيا في تطور مستمر ودائم بخصوص آليات التنقيب“.
النائب عن جبهة العدالة والتنمية.. لخضر بن خلاف:
لن نسمح لفرنسا أن تجعل من الجزائريين فئران تجارب
انتقد لخضر بن خلاف، النائب عن جبهة العدالة والتنمية، المصادقة على استغلال الغاز الصخري في هذا الظرف بالذات، ليقول “مشكلة الحكومة الحالية أنها تريد مداخيل أخرى دون التفكير في العواقب والأجيال” وكل هذا ـ حسبه ـ في سبيل سياسة شراء السلك الاجتماعي، ليشدد على أن كثرة الأموال والمداخيل تدفع للتبذير والفساد وتحويل الأموال، حيث تساءل في السياق ذاته عن مصير الأموال المودعة في البنوك السويسرية؟ وأين هي الطاقات المتجددة؟ ولما لم يتم استغلالها بعد؟ ليقول“حان الوقت لتدعيم إنتاج البترول والغاز، خاصة أنه في انخفاض متزايد منذ سنة 2010″.
وقال بن خلاف بصفته مهندسا في المناجم، إن الحل حاليا لا يكمن في استغلال الغاز الصخري وإنما في البدء في الاستكشافات والأبحاث للتحضير لاستغلاله على المدى البعيد وللأجيال القادمة، وهذا لن يحدث حسبه إلا بعد 12سنة من الدراسات والاستكشافات، وأكد على أنه ليس ضد التنقيب عن الغاز الصخري، لكن حتى تتطور التكنولوجيا ويتم اكتشاف آليات ومواد أقل ضررا بالبيئة، ليصرح“أمريكا أكبر منتج للغاز الصخري وجدت فيه مخاطر 25 مرة أكثر من الغاز العادي وأكثر مما كانت تتوقع“.
ونوَه بن خلاف بالمخاطر الناجمة عن استغلال الغاز الصخري، على غرار تكلفة الاستثمار فيه والتي تعد أكثر كلفة من الطاقة التقليدية، في حين أن المداخيل ستكون قليلة وسيتم جلب العتاد واليد العاملة من الخارج، وكذا استغلال جميع احتياطي المياه الجوفية، وأشار المتحدث إلى أن المواد التي يتم استخدامها في التنقيب على الغاز الصخري هي مواد كيماوية مسرطنة ومنها مادة الراديوم 202، وهي مواد مشعة مسرطنة، ما جعل الوكالة الخاصة بالبيئة في أمريكا تحذر من استغلال هذا الغاز، والرئيس الفرنسي يمنع استغلاله لما فيه من مخاطر، ليتساءل في السياق ذاته “كيف لهذه الدول أن تمنع هذا الغاز عندها، وتجعل من الشعب الجزائري فئران تجارب كما فعلت فرنسا في رقان“، مضيفا “نحن لا نريد أن نكون تابعين لفرنسا ولا لأمريكا، لدينا علماء وسننتظر حتى تتطور الأبحاث وهناك دراسة قائمة على التفجير بالهواء دون استعمال المواد المسرطنة، ويمكن أن نستغلها على مدى 30 سنة القادمة“، حيث اعتبر بن خلاف بأنه لا يجب علينا المغامرة والتسرع بالاستغلال وإنما يجب الانطلاق في الاستكشافات والأبحاث، وأشار إلى ازدواجية في خطاب الحكومة حول ملف الطاقة والمحروقات.




