-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
مآس تتكرر وجراح نفسية لا تندمل

الغفلة القاتلة.. أطفال يموتون تحت عجلات آبائهم

سمير مخربش
  • 818
  • 0
الغفلة القاتلة.. أطفال يموتون تحت عجلات آبائهم
ech
صورة تعبيرية

تحصد عجلات المركبات والجرارات الفلاحية في المدن والأرياف الجزائرية أرواح أطفال صغار، في مآس تتكرر بصمت وتترك وراءها جراحا نفسية لا تندمل، وآباء محاصرين بعقدة ذنب قاتلة، وقرى تستفيق بين الحين والآخر على صراخ أم أو انهيار أب لم يكن يدرك أن لحظة عادية من يوم عمل ستتحول إلى فاجعة العمر.
حدث ذلك يوم الجمعة الماضي بدوار الحسايسية ببلدية يلل في ولاية غليزان، حين فارق طفل في الخامسة من عمره الحياة تحت عجلات شاحنة والده. كان الأب يحاول الرجوع إلى الخلف، في مشهد مألوف خاصة في الأرياف حيث تختلط ساحات المنازل بمواقف المركبات وأماكن لعب الأطفال، ولم ينتبه لوجود ابنه خلف الشاحنة، لحظات قليلة كانت كافية لوقوع الكارثة، ليتحول الأب في ثوان من معيل لأسرته إلى رجل يطارده مشهد ابنه المهشم تحت عجلات مركبته، في صدمة تتجاوز حدود الفقد إلى مأساة نفسية مركبة.

في الأرياف.. رزق الآباء يتحول إلى فخ قاتل لأطفالهم
لم تكن فاجعة يلل سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الحوادث المتشابهة التي باتت تتكرر في القرى الجزائرية. بجنوب ولاية سطيف، وببلدية قلال، لقي رضيع لم يتجاوز العامين حتفه تحت عجلات شاحنة والده من نوع “رونو سافيام”. كان الطفل بالقرب من المنزل بمنطقة ملول، بينما كان الأب يستعد للذهاب إلى عمله. لم ينتبه لوجود ابنه قرب العجلات، فانطلقت الشاحنة لتسحق رأس الرضيع، الذي لفظ أنفاسه الأخيرة في مكان الحادث، وسط حالة صدمة هستيرية أصابت الوالد، حسب شهادات سكان المنطقة.
وببلدية عين الحجر، بولاية سطيف، تكرر المشهد ذاته تقريبا عند غروب الشمس بمشتة لعناية. كان الوالد يخرج شاحنته من المرآب، راجعا إلى الخلف، فيما كان رضيعه يلعب بالقرب منه. لحظة غفلة واحدة، مرت العجلات فوق جسد الطفل النحيف، لتخمد حياته في مكان الحادث. تدخلت مصالح الحماية المدنية التابعة لدائرة عين أزال لنقل الجثة إلى مستشفى عين أزال، فيما خيم الذهول والحزن على العائلة وسكان المشتة.
وقبلها، شهدت بلدية البلاعة شرق ولاية سطيف حادثة مماثلة، حين دهس أب ابنه البالغ من العمر سنتين بواسطة جرار فلاحي أثناء رجوعه إلى الخلف بالمنطقة المسماة الدهس. حاول الأب إسعاف ابنه ونقله إلى مستشفى العلمة، غير أن الطفل فارق الحياة، وسط انهيار الوالد وصراخه داخل مصلحة الاستعجالات، في مشهد بقي عالقا في أذهان الطاقم الطبي والمواطنين.

تحت العجلات تولد صدمة لا تشفيها الأيام
في القرى، لا تروى هذه الحوادث كأخبار عابرة، بل كحكايات موجعة تتناقلها المجالس. يقول أحد سكان الريف ببلدية قلال: “كل بيت هنا يخاف هذه اللحظة. الشاحنة أو الجرار جزء من حياتنا اليومية، والأطفال يلعبون حولها منذ صغرهم. لا أحد يتخيل أن ابنه قد يكون خلف العجلات”. ويضيف فلاح من عين لحجر: “نخرج للعمل قبل شروق الشمس أو عند الغروب، والأبناء يحيطون بنا. غفلة صغيرة تكلف روحا وتخلف صدمة يستمر صداها مدى الحياة”.
هذه الحوادث مرتبطة بطبيعة الحياة الريفية، حيث تتحول ساحات المنازل إلى أماكن مشتركة للمركبات الثقيلة ولعب الأطفال في آن واحد. أما من الناحية النفسية، فيشير مختصون في علم النفس الإكلينيكي إلى أن الآباء الذين يتسببون خطأً في مقتل أبنائهم يعيشون صدمة مركبة تجمع بين الفقد والإحساس القاتل بالذنب. هذه الصدمة قد تتحول إلى اكتئاب حاد، اضطرابات نوم، نوبات هلع، وفي حالات عديدة إلى عزلة اجتماعية طويلة الأمد، حيث تظل صورة الطفل تحت العجلات حاضرة في الذاكرة، وقد تلازم الأب بقية حياته إن لم يُرافق بعلاج نفسي متخصص.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: لماذا تتكرر هذه الحوادث في الأرياف أكثر من المدن، ولماذا بلغت الظاهرة هذا الحد من دون أن تحظى بعناية اجتماعية.
مختصون في علم الاجتماع يرون أن هذه المآسي ليست حوادث معزولة بقدر ما هي نتيجة مباشرة لبنية الحياة الريفية في الجزائر، حيث يختلط فضاء السكن بفضاء العمل في غياب أي تنظيم عمراني وقائي. الشاحنة أو الجرار لا يُنظر إليهما كوسيلة خطرة، بل كأداة رزق يومية، تُركن قرب المنزل، وتتحرك وسط الأطفال من دون حواجز نفسية أو مادية تفصل بين اللعب والعمل.

“ثقافة” الاعتياد على الخطر!
إن الثقافة السائدة لدى الكثيرين تقوم على الاعتياد، حيث يتحول الخطر المتكرر إلى مشهد عادي لا يثير القلق، إلى أن تقع الفاجعة. فهم يتركون آبارهم مفتوحة وبركهم غير مسيّجة، وكذلك حفر الطمر الصحي والكلاب تجول كيفما شاءت والإنارة العمومية منعدمة، هذا الاعتياد، مضافا إلى غياب التوعية المستمرة، يجعل الأسر تقلل من احتمالات الخطر. والثقافة الريفية، رغم بساطتها، تقوم على منطق الخطر، في ظل غياب مساحات آمنة مخصصة للأطفال، بعكس المدن حيث تُفصل الفضاءات السكنية عن فضاءات العمل.
من جهته، يؤكد الأستاذ سالم هيشور المختص في علم النفس في تصريح لـ”الشروق اليومي” أن الآباء الذين يتسببون خطأً في مقتل أبنائهم يعيشون صدمة نفسية مركبة، لا تعالجها العدالة ولا يخففها الزمن وحده، فالأب لا يفقد ابنه فقط، بل يفقد صورته عن نفسه كحام ومصدر أمان، ما قد يقوده إلى اضطرابات نفسية عميقة، من اكتئاب حاد، إلى عزلة اجتماعية طويلة، وقد تمتد آثار الصدمة إلى باقي أفراد الأسرة، خاصة الأم والإخوة.
الرائد أحمد لعمامرة، المكلف بالإعلام لدى مصالح الحماية المدنية بولاية سطيف، يقول في تصريح لـ”الشروق اليومي”: “في كل مرة ننبه أصحاب الشاحنات عبر بيانات رسمية إلى خطورة الرجوع إلى الخلف من دون التأكد من خلو المحيط، وندعو الأولياء إلى مضاعفة الحيطة والحذر، باعتبار أن هذه الوضعية تعدّ الأخطر والأكثر تسببا في الحوادث القاتلة. ومجرد نظرة سريعة لا تكفي، بل يستوجب النزول من المركبة والمعاينة المباشرة للأرض ومحيط العجلات”. ويضيف محدثنا: “ننصح كذلك بعدم السماح للأطفال باللعب قرب الشاحنات أو الجرارات، حتى وإن كانت متوقفة، لأن الطفل قد يتحرك فجأة من دون أن يشعر به السائق. ونشدد على ضرورة تخصيص مكان آمن للأطفال بعيدا عن فضاء العمل، مهما كانت بساطته”.
كما يوصي أعوان الحماية المدنية بالاستعانة بشخص مرافق عند الإمكان، خاصة في القرى، لتوجيه السائق أثناء الرجوع إلى الخلف، وهي ممارسة بسيطة لكنها قادرة على تفادي كوارث مأساوية.
ويحذر مختصون من أن تكرار هذه الحوادث من دون مقاربة شاملة قد يحولها إلى قدر اجتماعي صامت، في ظل غياب برامج مرافقة نفسية للضحايا، وافتقار القرى لحملات تحسيس ميدانية مستمرة تراعي خصوصية الوسط الريفي ولغته اليومية. كما يطرح هؤلاء ضرورة إدراج هذه الحوادث ضمن أولويات الوقاية، تماما كما هو الحال بالنسبة لحوادث المرور والاختناق بالغاز.
ومن بين النصائح المتكررة أيضا، ضرورة تركيب منبهات صوتية للرجوع إلى الخلف، ومرايا إضافية إن توفرت، مع تفادي تحريك المركبة في أوقات ضعف الرؤية كالغروب أو قبل شروق الشمس، حيث تتزايد نسبة المخاطر.
هذه المآسي لا تختصر في أرقام ولا في بلاغات تدخل، بل في واقع اجتماعي هش يدفع فيه أطفال الأرياف ثمن غياب التخطيط والوقاية. الأمر يتعلق بملف مفتوح يفرض نفسه بقوة، ويستدعي تحركا جماعيا يحمي الأرواح البريئة، قبل أن تلتحف الغفلة بثوب المأساة، وبقائمة طويلة من الضحايا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!