الفرح لا يليق بنا؟!
في كل مرّة يحل فيها عيد الفطر تتقلص مساحات الفرح لدى الجزائريين، وتتحول أجواء الغبطة والسعادة بقدوم هذه المناسبة إلى حزن وأسى، بسبب تلك الجرائم المروِّعة التي تجرَّد منفذوها من الآدمية، ليُجهزوا على ضحاياهم ببرودة دم، في يوم هو من أقدس الأيام لدى الأمة الإسلامية جمعاء، فلماذا يضرب بعضُنا لبعض في كل مرّة موعدا مع الحزن في المناسبات الدينية؟ أإلى هذه الدرجة انحدرت قيمنا الإنسانية والأخلاقية؟
في معسكر رفضت فتاة أن تتزوَّج شابا، فأزهق روحها بخنجر لما خرجت من منزلها صبيحة العيد، وآخر قتل عمته ببرودة دم في تيسمسيلت، وراح يصول ويجول في مسرح الجريمة، ليسير ابن بلدته على ذات المنوال، ويجهز على شقيقه ببندقية صيد، أما في مستغانم فقد ترصَّد كهلٌ شقيقه وغرس في قلبه سكينا أمام منزله، لا لشيء إلا لأنه لم يسدّد دينا ظل عالقا في ذمته، وأي دين؟! إنها فقط دراهم معدودات عجز الضحية عن تسديدها، فدفع حياته ثمنا لها، ليقوم الجاني بعدها بإبلاغ الشرطة من مسجدٍ صلّى فيه ركعات، وكأنه كان يكفِّر عن الجرم الذي اقترفه في حق أخيه. وإلى شرق البلاد وبالضبط في خنشلة، قتل بنَّاءٌ مساعده داخل ورشة بناء، بسبب خلاف مالي، وفي ميلة أُزهِقت روح شاب بطلق ناري داخل مزرعة.
كل هذه الجرائم المروِّعة حدثت في أيام العيد التي كان من المفترض أن نطلق فيها العنان للفرح، ونفتح صفحة جديدة مع من خاصمناهم، ونعفو عن الذين أساؤوا إلينا، لكن هيهات، فلقد امتلأت القلوب بالغلّ والحقد، ولم تعُد الألسن تصدح إلا بالانتقام، وأي انتقام عندما تزهق الأرواح بسبب أشياء تافهة؟! الحمد لله أن السلطات لا ترخِّص للمواطنين بامتلاك الأسلحة مثل أمريكا، وإلا حطَّمنا أرقاما قياسية في المجازر الجماعية.
مهما كانت الأسباب والمبررات، فلقد تحولنا للأسف إلى مجتمع سادي يتلذّذ بتعذيب الآخرين وإلحاق الأذى النفسي والبدني بهم، ولا يتورّع عن إضفاء الطابع الشرعي على ما يقوم به من مفاسد أهلكت الحرث والنسل، ورمت بالوطن في أتون الفتن.
هناك من يقول: “إنها ترسُّبات العشرية السوداء التي أنتجت جيلا يقتل ببرودة دم ويتعاطى المخدرات والمهلوسات، لهول ما سمع وشهد من جرائم ارتكبتها الجماعات الدموية”، ولكن إلى متى نبقى نسوق المبرّرات، ونداري هذه المنكرات؟ وإذا كانت ملاحم التكافل التي طبعت شهر رمضان الكريم، وأبدع فيها خيّرون في هذا الوطن، بتنظيمهم مأدبات إفطار على شرف اللاجئين وعابري السبيل والمعوزين، وكذا كسوة الأيتام وختانهم، قد صدّرت للعالم صورة جميلة عن الجزائريين، فإن الجرائم التي وقعت في عيد الفطر شوّهت هذه الصورة.
للأسف، أصبحنا في العيد نقتل، وفي هذا اليوم يفضل الشباب الحالم بسراب الضفة الأخرى المغامرة عبر قوارب الموت بحثا عن حياة أفضل.. في العيد نتشاجر ونسوق بسرعة جنونية كي نُعايد الأهل والأحباب فيصل معظمُنا إلى المقابر. لذلك، فإن الفرح لا يليق بنا بسبب سلوكياتنا التي أفرِغت هذه المناسبة الدينية من محتواها.