الفريضة الغائبة
سئل أحد الخبراء في التاريخ وعلم الاجتماع، كيف استطاعت فرنسا أن تبقى أكثر من قرن وهي تحتل في الشعب طوال هذه المدة من الزمن، فكان جوابه أن مرد ذلك يعود إلى أن الشعب الجزائري ينفر من الانضباط والانقياد للنظام وبالتالي سهل هذا السلوك على فرنسا البقاء كل هذه المدة، قد نتفق وقد نختلف مع هذا التفسير ولكن الحقيقة هو أنه لما ظهرت مجموعة 22 وتأسست جبهة التحرير الوطني وجيشها العظيم وفرض على الشعب الجزائري للالتحاق بالثورة والتعاون معها ومن أن كل من خالف ذلك يعد خائنا ويستحق الموت، حينها وحينها فقط تحقق وعد الله وزلزلت الأرض زلزالها من تحت أقدام فرنسا وقررت النجاة بنفسها والخروج من الجزائر مهزومة مكسورة ولكن للأسف الشديد لم يدم الوقت طويلا ولم يتحول الانضباط القهري إلى ثقافة يومية في حياتنا وسادت الفوضى والقسوة والانفلات القانوني وحتى الديني الذي وللأسف يحدث حتى في دور العبادة وفي شهر رمضان الكريم ، والسؤال كيف كان صيامنا في عهد الاستعمار بالأمس مقارنة باليوم الذي أصبح فيه عادة وليس عبادة مع تسجيل ظاهرة ارتفاع تناول المخدرات التي حلت محل الخمر ! ؟
للإجابة على هذا السؤال الجوهري والحساس لصلته بالحس الحضاري والإخلاص الذي هجرناه لا بأس أن أعرض على من يطالع على هذه السلسة الرمضانية من “خروج عن النص”، هذه الفقرة للشيخ عبد الحميد ابن باديس ليقول بأسف وكأنه حاضر بيننا: “إن الصائم عندنا قد وطن نفسه حقا على هجر الشهوتين، لكن من يقوى على هجران ما هو أشد خطورة وأسوأ نتيجة، إنه يعني بالصلاة والطهارة الحسية، ويسخو بكل عزيز، لكن لا عنايته بما هو أسمى لديه…”، بعد أن يعدد الخصال الحميدة يصل بالقول “يروم أن يكون صائما بكل ما في الكلمة من قوة، لكن الرعونة، وقلق النفس، والنزق والطيش، والقذع، وما إلى ذلك مما يتخلق به في هذا الشهر، كل ذلك لا يدعه أو يحقق كل أو بعض ما يروم ويصبو إليه”. إذن هل تغير شيء من سلوك الصائم الجزائري، الإجابة جاءت سلبية من عدة مصادر، بداية مما نقلته وسائل الإعلام مع تسجيلي الشخصي لذلك بالمساجد التي زرتها، من أن السلفيين بالجزائر يتحدون تعليمات وزير الشؤون الدينة ويصرون على تلاوة القرآن في التراويح برواية حفص المشرقية الخليجية بدل قراءة ورش المغاربية الجزائرية ولا يلزمون أنفسهم بقراءة حزبين في كل ليلة لأنهم لا يرون ضرورة لذلك.
وفي الجهة الأخرى من المساجد يطيلون الصلاة لحد المشقة على المسنين والمرضى وعلى من أنهكتهم شقوة الحياة، ظنا منهم من أن المشقة في العبادة ثوابها وأجرها كبير، وبين هذا وذاك إلا من رحم ربك وقعنا بين الإفراط والتفريط الذي هو صورة معبرة لعدم الانضباط والالتزام بالتعليمات والقوانين.
عجيب حينما يتحدث الشيخ ابن باديس والشعب الجزائري تحت الاحتلال حول الإسراف في رمضان ونحن الذين كنا نعتقد أنه نتيجة الرخاء وتحسن مستوى المعيشة في عهد الاستقلال، فهو يقول في سياق آخر من مقاله حول ضرورة العناية برمضان : “لا يتحرج الصائمون من الإسراف في رمضان إلى حد الإنفاق بما لا يطاق، وبما يدعه مدينا مدى سنة..”.
إذا كان هذا هو حالنا في الشهر الذي شرع خصيصا للضبط والانضباط وهي الفريضة الغائبة من حياتنا المدنية فهل يمكن أن تكون لنا عزيمة تذكر في غيره من الشهور، وبالخصوص حينما يصل بنا الأمر لدرجة أن يحذر الإمام قبيل أداء صلاة التراويح التي أضحى يشد إليها الرحال الرجال والنساء وحتى الأطفال لغايات وأغراض متعددة، قلت يحذر من التحرش البصري بالنساء بجوار المسجد الذي انتهكنا حرمته لدرجة الاشتباك باليد واللسان دون وازع ديني أو مروءة أو خوف من غيرة الله على بيته، فإلى متى ندعي بانتمائنا للإسلام بلساننا وأفعالنا هي من صميم الجاهلية، وفي الأخير أتمنى ألا يطلع علينا من يرد بأنه لا يوجد نص يشير على أن الانضباط والضبط فريضة إسلامية وإلا كيف نسمي الفوضى والتسيب المفضي للفتنة والتخلف !.
كاتب وبرلماني سابق