الرأي

الفَندالُ المحدثون.. وأحفادُهم

“الواندال” قبائل جرمانية متوحشة، كانت تعيش على سواحل بحر البلطيق ثم انساحت جنوبا فأهلكت الزرع والضرع، وكانت جرادا ما أتت على شيء حتى جعلته كالرميم. في قلوبهم غِلظة، وفي سلوكهم قسوة، وفي طبائعهم جفوة، وقد ابتليت الجزائر بهم حينا من الدهر، فأهلكوا الحرث والنسل، واحتلُّوها، فلم يتركوا فيها فكرا، ولا ثقافة، ولا أدبا، ولا قِيما..

بحسب “قانون مَندَل” كان من المفروض أن يرث أخلافُ الواندال أسلافَهم في السمات الفطرية والصفات الخلقية، ولكن الأمر الذي تم أن هذه الطبائع الخَلقية والخُلقية الشنيعة لم تنحدر من أولئك الواندال الأولين إلى أعقابهم، وإنما ورثها عنهم قومٌ آخرون، عرفناهم في الجزائر باسم الفرنسيين الذين لم يُبتلَ العالمُ بشرٍّ منهم؛ قسوة قلب، وعجرفة سلوك، وفظاظة قول، وتوحُّش فعل… ثم “الافتخار” بكل ذلك..

إن الذي أطلق على الفرنسيين اسم “الفندال المحدَثين” ليسوا أعداءَهم، ولكن بعض الفرنسيين هم من فعل ذلك، وهم في اعتبار الفرنسيين من “نخبتهم”، إذ هم “مهندسون”، حكموا بتهديم أثر حضاري، عبارة عن بناية جميلة كانت مقرا لمكتبة، ليقيموا مكانها “بطارية”، فزال “هذا المعبد الصغير للعلم”. (انظر: هاينريش فون مالتسن: ثلاث سنوات في شمال غربي إفريقيا. ج1. ص 29).

وعاش آباؤنا وأجدادنا، وعاش جيلنا تحت الفندال المحدثين قرنا واثنتين وثلاثين سنة، كلها أيام نحسات، كانت نتيجتها الأسوأ ما سماه أحد المثقفين “الاحتباس الحضاري” للجزائر، وحرمان الجزائريين من واجبهم في تحصيل العلم ونشره، حتى إذا طرد الشعب الجزائري هذا “الشيطان الفرنسي اللعين” من الجزائر الطاهرة كانت “نعمة” الفرنسيين علينا هي أعلى نسبة أمية في العالم…

ظننّا أن مخالطة الفرنسيين لآبائنا وأجدادنا ستجعلهم “يتحلّون” ببعض أخلاقنا، ولكن الفرنسيين ليست لديهم قابلية التخلّق بفضائل الأخلاق وجميل الشيم، وعالي القِيم..

من ذلك ما فعله أحفادُهم في يوم 7– 6– 1962، إذ انطلقوا نحو مكتبة جامعة الجزائر، ليُشعلوا النار في مخطوطاتها النادرة، وكتُبها القيِّمة، فكان ذلك “رمزا” للوجود الفرنسي في الجزائر.

أيُّها الفرنسيون إنني أخجل من أن تزعموا مشاركة الإنسانية في قيمها ومُثُلها… واحتفظوا بما أحرزتم عليه باستحقاق “الواندال المحدثين”.

مقالات ذات صلة