“القانون لا يحمي المغفلين.. وربي ينوب”
لا يزال مولاي صالح متمسكا بإمبراطوريته، رافضا الاعتراف بالإفلاس والاحتيال، وضرب موعدا لزبائنه غدا السبت ليمنح لهم جزءا من مستحقاتهم، مؤكدا لهم أن سبب تأخر السيولة المالية هو حجر المحكمة لأمواله في البنوك بسبب التحقيقات القضائية، وبعد انتهاء التحقيقات التي غرمت صاحب سوق الوعد الصادق بـ 20 مليون سنتيم، قال لزبائنه إن القضاء رفع الحجر عن أمواله ووعدهم بدفع مستحقاتهم بداية من الغد.
وحسب مصادر مقربة من مولاي الصالح، فقد تلقى هذا الأخير ضغوطا كبيرة من طرف مسؤولين ورجال في القضاء لتصفية حسابه وإنقاذ نفسه من فضيحة لا تقل عن فضيحة الخليفة، ما دفع بضحاياه إلى التمسك بالأمل الأخير الذي سيسبق الإعصار.
لا توجد ولاية من ولايات الوطن ولا بيت من بيوت مدينة سور الغزلان إلا وفيها ضحايا لسوق “الوعد الصادق” الذين لا يزالون متمسكين بآخر أمل لنيل ولو جزء من مستحقاتهم المالية واسترجاع عقاراتهم وبيوتهم، ورغم الوعود المتكررة لمولاي الصالح وأتباعه لتسوية وضعيتهم، غير أن المواعيد كانت تتكرر، والأعذار كانت تتعدد، والآجال تتمدد، ما دفع البعض إلى تشكيل جماعات وتقديم شكوى إلى مصالح الدرك الوطني، في حين ذهب آخرون مباشرة إلى القضاء، وفضل السواد الأعظم من الضحايا التمسك بأمل استرجاع أموالهم والإلحاح المستمر على مولاي صالح وأتباعه الذين رضخوا للأمر الواقع وضربوا موعدا جديدا للضحايا غدا السبت أين سيكرم صالح مولاي أو يهان.
الضحايا في الفايسبوك بشعار “الوعد الكاذب“
تأسست على موقع التواصل الاجتماعي عشرات الصفحات التي جمعت ضحايا سوق “الوعد الصادق“، الذين كانوا يتناقلون أخبار السوق، ويكشفون أساليب التلاعب والاحتيال، ويدرسون سبل استرجاع أموالهم، وأهم صفحة تأسست في هذا المجال أطلق عليها الضحايا اسم “الوعد الكاذب“، أين سرد كل مواطن قصته، وحذر الآخرين من مغبة التورط في تعاملات سوق “الوعد الصادق“.
وكانت هذه الصفحات تنشر المقالات الصحفية والتقارير التلفزيونية التي تتحدث عن تجاوزات مولاي صالح، كما كان الضحايا يضربون مواعيد للاحتجاجات انطلاقا من الفايسبوك، الذي كان بالنسبة إليهم متنفسا يتناقلون فيه مشاكلهم وخيبة أملهم بعد وقوعهم ضحايا للقائمين على سوق “الريح“.
وفيات وأمراض خطيرة وسط الضحايا
تعتبر العيادات الجوارية والمستشفيات الواقعة بولاية البويرة ومدينة سور الغزلان خصوصا، الشاهد الأكبر على ما خلفه سوق “الوعد الصادق” في ضحاياه، الذين أصيب بعضهم بأزمات قلبية تسببت لهم في الموت، في حين أصيب آخرون بصدمات نفسية وأمراض خطيرة متأثرين بهول ما خسروه من سيارات وعقارات وأراض حولتهم من أغنياء إلى فقراء لا يملكون شيئا.
ويعتبر مرضى السكري وضغط الدم والقلب أكثر الضحايا الذين تدهورت حالتهم الصحية وأصيب الكثير منهم بخلل في وظيفة الكلى والعينين، وأصبح ضحايا “الوعد الصادق” معروفين في المستشفيات ويشار إليهم بالأصابع، وتألفت حولهم النكت والحكايات، وباتوا حدثا على كل لسان.
“موت ربي ولا مولاي“
من كثرة الضحايا الوافدين على مستشفى مدينة البويرة، وتعرض العديد منهم إلى الوفاة بعد أزمات قلبية وارتفاع نسبة السكر والضغط، بات الأطباء والناس يعلقون عند الإعلان عن أي وفاة: “موت ربي ولا مولاي” ويقصدون بذلك هل هذه الوفاة طبيعية أم سببها مولاي صالح صاحب سوق الوعد الصادق؟
وحتى المريض إذا دخل إلى المستشفى من أجل إجراء فحص أو حقنة، يسأله الطبيب: “هل هي حقنة مولاي” أي هل سبب إجرائك للحقنة احتيال مولاي الصالح عليك.
أن يخسر الإنسان ماله وبيته وسياراته وأراضيه ليس أمرا سهلا، وهذا ما تسبب للكثير من الضحايا بأزمات نفسية وانهيارات عصبية، لعدم تحملهم هول الخسارة ومرارة الاحتيال.
أصحاب العقارات الأكثر تضررا
التقت “الشروق اليومي” بمدينة سور الغزلان بالكثير من ضحايا سوق الوعد الصادق، الذين خسروا الملايير بعد تعاملهم مع مولاي صالح وأتباعه، ومنهم من وصلت خسارته لأزيد من 200 مليار، في حين فقد الكثيرون أراضيهم وبيوتهم بسبب الثقة العمياء التي وضعوها في سوق الوعد الصادق. والغريب في الأمر أن أغلب هؤلاء لا يزال يحدوهم الأمل لاستدرداد ما ضيعوه، ويرفضون التسليم ولو للحظة أن أموالهم وعقاراتهم ضاعت لأن هذا الواقع إن ثبت سيمثل لهم خسارة فادحة والعودة سنوات طويلة إلى الوراء.
ومن بين الأشخاص الذين التقتهم “الشروق” شاب في الثلاثينات تعامل مع مولاي صالح لأول مرة في بيع وشراء سيارة وبعدها بيع بيت متواضع، ما دفعه إلى بيع قطعة أرض شاسعة يملكها رفقة أقاربه وعائلته، وحدد قيمتها بـ 22 مليار سنتيم، لم يقبض منها دينارا واحدا إلى حد الساعة، وهذا ما دفعه إلى حافة الجنون واليأس ومحاولة الانتحار بعدما خسر ثقة أهله وماله، ما جعله بطالا بلا عمل.
عائلات تشردت وأخرى استأجرت بيوتها
لجأت الكثير من العائلات إلى بيع عقاراتها وبيوتها لسوق الوعد الصادق، فتنازلت له عن ممتلكاتها بعقود رسمية، على أن تتحصل على أموالها بشكل دفعات، غير أن هذه العائلات تفاجأت بأن بيوتها بيعت من جديد بأسعار زهيدة، دون أن يحصلوا على مستحقاتهم، ما جعلهم مطالَبين بإخلاء بيوتهم والتشرد في العراء، والعائلات الأوفر حظا اتفقت مع الشاري أن يمهلها أشهرا إضافية، ومنها من لجأت إلى استئجار بيوتها لتجنب التشرد و“البهدلة“.
ومن القصص الغريبة في هذا المجال، عائلة باعت منزلها لصالح مولاي بـ 800 مليون، وقررت شراء منزلها بعد بيعه بـ 300 مليون، بتحقيق ربح يقدر بـ500 مليون، غير أن العائلة اكتشفت أنها كانت ضحية احتيال لأنها لم تتلق المبلغ المتفق عليه والمقدر بـ 800 مليون ما جعلها تخسر مليار سنتيم، بخسارتها للبيت و200 مليون. وكان مصيرها التشرد على غرار الكثير من عائلات سور الغزلان التي خسرت بيوتها وأراضيها بسبب الثقة العمياء.
وكلاء سيارات وتجار الإسمنت من الضحايا
ركز مولاي صالح في تعاملاته التجارية على رجال المال والأعمال والوكلاء المعتمدين لتسويق السيارات، أين لقي دعما كبيرا بالأموال والعتاد وحتى الحماية، وكان التجار المضاربون في الإسمنت أول من تعامل معهم، حيث أغدقوا عليه بالملايير ودخلوا معه في مشاريع مربحة، خاصة وأن تجار الإسمنت عرفوا بمدينة سور الغزلان بثرائهم الفاحش، وكانوا يحققون أرباحا خيالية جراء مضاربتهم في تجارة الإسمنت على أمتار من مصنع الإسمنت بمدينة سور الغزلان، غير أن مولاي الصالح كبد هؤلاء التجار خسائر فادحة تجاوزت عشرات الملايير.
وتعامل مولاي صالح أيضا مع بارونات وتجار مواد البناء ومواد التنظيف والمستوردين، ولكل منهم قصة مع الاحتيال والخسارة التي لم تكن صغيرة.
قصة “أصحاب البيكانتو و45 مليونا“
لا تزال قصة “أصحاب البيكانتو و45 مليونا” من الطرائف التي يتناقلها سكان مدينة البويرة، أين لجأ بعض أعوان وشركاء مولاي صالح إلى إعلان استقدامهم دفعة جديدة من السيارات الكورية من نوع “بيكانتو” جديدة تضررت قليلا من حبات البرد التي شكلت فيها بعض الثقوب، وأعلنوا أن هذه السيارات ستباع بسعر استثنائي ومغر قدر بـ 45 مليونا للسيارة الواحدة، وعلى الراغبين في شرائها دفع المبلغ كاملا وانتظار قدوم السيارات التي لن تتجاوز شهرا على أقصى تقدير.
هذا الإعلان “الغريب” دفع عددا كبيرا من شباب سور الغزلان والمدن المجاورة إلى دفع مبلغ 45 مليونا، فكان المبلغ الذي جمع من هذه العملية يقارب 20 مليار سنتيم حسبما أكده الضحايا لـ “الشروق“، ولم يتحصل أي واحد منهم على السيارة ولا المبلغ إلى حد الساعة.
حادثة سيارة “جيلي والبقارة“
من القصص الغريبة والطريفة أيضا بمدينة سور الغزلان، أن بعض الفلاحين باعوا أبقارهم وأغنامهم إلى سوق الوعد الصادق، الذي تباطأ في دفع مستحقاتهم، واقترح عليهم تعويضهم بسيارات صينية من نوع “جيلي“، ووافق العديد من الفلاحين على هذه الفكرة، فكان هذا النوع من الضحايا معروفا في مدينة السور ويطلق عليهم اسم أصحاب سيارة “جيلي“، وكان أصحاب هذا النوع من السيارات يعرفون أنهم من مربي الأبقار ويطلق عليهم اسم “البقارة“.
وشهد سوق الوعد الصادق لبيع وشراء السيارات طرائف وحوادث بالجملة، لأشخاص باعوا سياراتهم ولم يقبضوا مستحقاتهم إلى حد الساعة، وهم أكثر من لجؤوا إلى المحاكم. ورفض قضاة التحقيق تأسيس الدعوة بحجة “القانون لا يحمي المغفلين“، لأن أصحاب السيارات لا يملكون سوى وصولات تتضمن الوعد بالتسديد، وهي سندات غير قانونية لأنها صادرة من شخص لا يمثل سوى نفسه ولم تعقد عند الموثق.
غرامة بـ 20 مليونا مقابل سرقة 3000 مليار
استغرب ضحايا سوق الوعد الصادق قرار محكمة سور الغزلان الصادر أمس الأول والقاضي بتغريم مولاي الصالح بـ 20 مليون سنتيم فقط، بتهمة مخالفة القوانين التجارية، وكان وراء هذه الدعوى مديرية التجارة على مستوى ولاية البويرة، التي حررت العديد من المحاضر ضد النشاط المشبوه لصاحب سوق “الوعد الصادق“، بعد رفض مسير السوق للقوانين المتعامل بها في النشاط التجاري.
وقد تلقى مولاي الصالح العديد من الإنذارات والمحاضر، ما دفع الهيئة القضائية إلى الاستماع إلى المتهم وتغريمه بـ 20 مليون سنتيم، وهو القرار الذي استاء له الكثير من الضحايا الذين طالبوا محكمة سور الغزلان بضرورة فتح تحقيقات معمقة لنشاط مولاي الصالح وإجباره على إرجاع أموال جميع الضحايا.
مصير مجهول ينتظر الضحايا
بالرغم من الوعود المتجددة التي يطلقها مولاي صالح لزبائنه بدفع مستحقاتهم، غير أن هذه الوعود كانت تتكرر، وأمام رفض المحاكم لتأسيس الدعوى لطرف الكثير من الضحايا بحجة عدم امتلاكهم وثائق رسمية تدين صاحب سوق الوعد الصادق، يواجه مئات الضحايا مصيرا مجهولا، بسبب غياب الدعم القضائي وحتى الرسمي، ويبقى الأمل الوحيد للكثير من الضحايا هو وفاء مولاي صالح بوعوده ودفع مستحقاتهم المالية وإرجاع عقاراتهم وأراضيهم، خاصة وأن الضحايا منحدرون من مختلف ولايات الوطن، لتتحول قضية “الوعد الصادق” من قضية محلية لمدينة السور إلى قضية وطنية تثير الكثير من التساؤلات.