الكوكايين البصري والخلاعة الإلكترونية!(2)
يؤكّد علماء النّفس أنّ مشاهدة المقاطع والصّور الإباحية، تسبّب انخفاضًا في مستوى التركيز والاستيعاب، وتتشتّتا في الفكر، ويسبّب الذّهول وكثرة النّسيان، والأرق وقلّة النّوم، ويسبّب الكسل والخمول والميل إلى الانفراد وحبّ العزلة، والشّعور بالضّيق والاكتئاب والهمّ والغمّ والتصادم، ويؤدّي إلى شدّ الأعصاب، وخلل الهرمونات، ويؤدّي إلى أضرار بالبدن، خاصّة إذا لاذ الشابّ بالعادة المحرّمة، ما قد يؤدّي به إلى الضّعف مستقبلا.
هذا فساد الدّنيا.. أمّا فساد الدّين فهو أعظم، ويكفي من يتابع الإباحية أنّه يتعرّض لسخط الله وغضبه، عندما يستهين بنظر الله -سبحانه- إليه، ولا يرجو لخالقه العليم الخبير وقارا ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾.. يستخفي من النّاس ولا يستخفي من الله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾.
يبارز الله بالحيدة عن فطرته، ويرهق نفسه وبدنه بصور ومشاهد تُطغي شهوته على عقله، يقول الله سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُون﴾ (المؤمنون: 1-7)؛ أولئك الذين يقضون شهواتهم في غير الطّريق الحلال، عادون معتدون؛ سواء قضوها بالنّظر إلى الحرام، أو بمقارفة العادة السيّئة، أو بالزّنا سواء كان زنا مباشرا أو زنا إلكترونيا. يقول النبيّ -صلى الله عليه وسلم-: “ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له”.
أخي الشابّ.. هل ترضى لنفسك أن تنظر إلى تلك القاذورات والنّجاسات والله العليم الخبير الذي يملك حياتك وموتك يراك؟ ألا تخشى أن يأمر بقبض روحك وأنت تنظر إلى ما حرّم عليك؟ أ ترضى لنفسك أن يسألك الله يوم القيامة: عبدي، أجعلتني أهون النّاظرين إليك؟ أما قرأت قوله جلّ في علاه: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]، وقوله جلّ شأنه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ وقوله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾؟ أما مرّ بك قوله تقدّست أسماؤه: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: 18]، أما تستحي أن تشهد عليك جوارحك يوم القيامة وتفضحك: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: 20].
أخي الشابّ.. ربّما تطيع الشّيطان وتطيع نفسك الأمّارة بالسّوء في هذه الدّنيا وتنساق لشهوتك، وتخلو عن طريق الهاتف بفتاة لعوب مستهترة لا تخاف الله، وتقارفان ما حرّم الله، وتمرّ الأيام والشّهور والسّنوات، وتنسى فعلتك، ولا تتوب منها، لكنّ الله لا ينساها لك، فتأتي يوم القيامة وتفاجأ بأنّك ترفع خلفك راية ولواءً كتبت فيه غدرتك يراها أهل الموقف جميعا.. والأنكى من ذلك أنّك تؤخذ بسببها إلى النّار لأنّك استهنت بها ولم تتب منها.
أخي الشابّ.. تذكّر الآخرة وما فيها من نعيم تقرّ به النّفس وتسعد به الرّوح.. تذكّر الجنّة وما فيها من حور وقصور وخيام، واسأل نفسك: هل يصحّ أن أبيع ذلك النّعيم بشهوة فانية مدمّرة؟ ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا * لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾.. ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ * أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾.. لا تنس -أخي الشابّ- أنّ من بين السّبعة الذين يظلّهم الله تحت ظلّ عرشه يوم القيامة، شابّا دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إنّي أخاف الله.
كلّما عرضت لك نظرة محرّمة.. تذكّر أنّ الله حفظ لك بصرك لتطيعه وليس لتعصيه.. هذه العين خلقت لتنظر إلى ما أحلّ الله في الدّنيا، وتنظر إلى خالقها في الآخرة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.. لكنّ العين التي تنظر إلى ما حرّم الله في هذه الدّنيا، تُحرم النّظر إلى الخالق في الآخرة.. فهل ترضى لنفسك -أخي المؤمن- أن تُحرَم أعظم وألذّ نعيم في الجنّة: النّظر إلى وجه الله الكريم؟ هل ترضى أن تحرم النّظر إلى وجه حبيبك المصطفى -صلّى الله عليه وسلّم- وتحرم لقياه؟
أخي الشابّ.. تب إلى الله، واتّخذ قرارك من هذه اللّحظة أن تهجر المواقع والصّفحات الإباحية، وتلجم نفسك عن تصفّح الفيديوهات التافهة، وأن تضع لنفسك هدفا من الدّخول إلى الإنترنت.. لا تدخل إلى الإنترنت لتملأ فراغك، ولا تدخل إليها وأنت لا تملك هدفا، ولا تتصفّح المنشورات وتتابع المقاطع من دون أن تكون لك غاية.. لا تسمح للفايسبوك بأن يقترح عليك مشاهدة المقاطع.. احجب خاصية الاقتراح، واحجب خاصية عرض المقاطع المشهورة وخاصية عرض “الستوريات”.. اختر عددا من الصفحات النّافعة الهادفة وسجّل متابعتك لها، وألغ متابعة الصّفحات التّافهة التي تأخذك إلى البلاء.. الدّخول إلى البلاء لا يكون مباشرة وبخطوة واحدة، لكنّه يكون خطوة خطوة، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾.. الشّيطان لن يطلب منك أن تشاهد مقطعا إباحيا أو صورة ساقطة من أوّل خطوة، إنّما يزيّن لك النّظر إلى الفيديوهات المسلية والمضحكة، ومنها خطوة خطوة حتّى تجد نفسك غارقا في الأوساخ.
أخي الشابّ.. وقتك ستسأل عنه، وعينك ستسأل عنها، وأصدقاؤك إن لم تأخذ بأيديهم إلى الهدى والصّلاح، سيأخذون بيدك إلى الفساد والشّهوات.. بدلا من أن تكون فريسة للشّيطان وأصدقاء السّوء الذين يرسلون إليك المقاطع والصّور التافهة؛ كن أنت المبادر، واشغل نفسك بمشاركة المقاطع والصور والمنشورات النافعة، لتكسب عظيم الأجر عند الله، ودلّ إخوانك الشّباب على البرامج والصّفحات التي تساعد على محاربة إدمان الإباحية، مثل “برنامج عفّة”، وصفحة “واعي”.
وأنت أيها الأب، اتّق الله في أبنائك وفلذات كبدك، لا تتركهم يغرقون في مستنقع الإباحية.. راقبهم وأرشدهم وحذّرهم، واربطهم بالقرآن والصّلاة، فإنّ الإباحية والقرآن والصّلاة لا تجتمع في قلب عبد مؤمن، يقول الله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (العنكبوت: 45).. في كلّ صيف نأسى ونحزن لأخبار أبنائنا الشّباب الذين يغرقون في البحر، لكنّنا ربّما لا نهتمّ بشبابنا وأبنائنا الغارقين في بحر الإباحية، ووالله إنّ الغرق في بحر الإباحية لهو أشدّ وأعظم وأضرّ من الغرق في بحر الماء.