الرأي

الماديون يسلّمون عليكم؟

الشروق أونلاين
  • 2949
  • 6

عندما يرفض نواب جدد أوصلتهم أحزابهم وليس الناخبون إلى مقاعد المجلس الشعبي الوطني الامتثال لرغبات تشكيلاتهم السياسية في عدم المشركة في الحكومة القادمة أو مقاطعة البرلمان لأسباب مالية بحتة أهمها المرتب المنتفخ وبقية الإمتيازات، فمعنى ذلك أن الجزائر وصلت مرحلة مادية خطيرة صار فيها المال والمال فقط الهمّ الوحيد لكل الجزائريين من قمة وقاعدة، وانقرضت المبادئ نهائيا، ولا ندري كيف يفكّر برلماني وهو يغيّر سُترته الحزبية للانضمام إلى حزب آخر كان في الحملة الانتخابية يصفه بالجشع وبمخرّب البلاد لأجل دراهم معدودات تأكد للجميع أنها كانت هدفه الأول والأخير خلال إلقائه لإلياذة حب الشعب والعمل لأجل البلاد التي تغنى بها وأوهم نفسه أنه يعيش لأجلها.

وتبقى مشكلة البحث عن المادة وجعلها الهدف الوحيد وليس أحد الأهداف غير مقتصرة على البرلمانيين والمسؤولين الكبار إلى درجة أن مسؤولا ساميا قال في تجمع شعبي خلال الحملة الانتخابية للتشريعيات الأخيرة أن الربيع العربي لن يكون في الجزائر، لأن الشعب من خلال قرابة العشرة آلاف احتجاج كان همّه الوحيد زيادة في المرتبات والمنح والامتيازات المادية فقط، وعندما يقتنع المسؤول بأن همّ الشعب هو المادة ويهيم هو بحثا عن المادة، فإن الجزائر التي كانت مضربا للمثل في النخوة والمبادئ مهدّدة، لأن تصبح كيانا ماديا قيمة الإنسان فيها بما يملكه من مال، وعقدة الإنسان فيها بما يفتقده من مال، ويكاد يكون ما نقرأه يوميا في الصحف من تصريحات نارية واختلافات حزبية وجرائم وإضرابات ومشاريع تنموية مبني بالكامل على المادة، وحتى المهن الإنسانية طالها الفيروس، وما عاد يهمها أكثر من نفخ المرتبات والحقوق المادية، ولا حديث إطلاقا عن الواجبات ورفع قيمة الإنسان، بدليل ما حصل في المنظومة التربوية عندما تضاعفت مرتبات الأساتذة وبقي الأداء ثابتا إن لم نقل أنه مدّ خطوات أخرى إلى الخلف، وما يحدث حاليا بين وزير الصحة الدكتور ولد عباس ومعشر الدكاترة من صراع مادي بلغ درجة التظاهر بكشوف المرتبات فوق جثث” المرضى، يؤكد أن المرحلة “المادية” التي بلغناها صارت أشبه بالوباء الذي لا علاج له، فالدولة تفتخر بما تهاطل عليها من غيث أموال النفط، والمواطن يريد نصيبه من ريع أموال النفط، وتبخرت كل المشاريع المعنوية الجميلة التي تحدث عنها بيان أول نوفمبر الذي ذكر كل شيء لأجل بناء الجزائر إلا الماديات، ويؤسفنا أن تصبح مطلب البطالين المال وليس العمل والمال، ومطلب العمال رفع المرتبات وليس التكوين ورفع المرتبات، وبكاء الدولة على النفط الذي انحدر سعره، وابتهاجها بالنفط الذي ارتفع سعره، ويؤسفنا أن تاريخ كفاح الجزائر الذي لا يضاهيه أي تاريخ جهادي في العالم مازال يبحث عن كاتب وممجد، والاستعمار الفرنسي الذي لا يضاهيه استعمار في العالم بطشا مازال رافضا الاعتراف بجرائمه، وشهداء الجزائر الذين هم أنبل وأطهر الناس مازالوا لم يجدوا من يسير على نهجهم المعنوي، ومع ذلك يجر بعض الناس أسرهم لمطالب لا تزيد عن الماديات فقط.

هل مشكلة الجزائر مادية فقط؟! سؤال وجب طرحه بعد أن صارت رائحة المال تفوح مع كل سوء تفاهم يحدث بين فردين أو مجموعتين، وهل الحلول مادية فقط؟ بعد أن أصبح المال هو الحل الوحيد لكل المشاكل.

في عام 1840م أثار الفيلسوف اليهودي كارل ماركس العالم عندما قال مقولته المشئومة “لا إله ولا دين والحياة مادة”.. وللأسف فإن المقطع الثاني من مقولته صار واقعا عندنا، ومن حقنا ان نخاف من الإيمان بالمقطع الأول؟

مقالات ذات صلة