-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

المال للاستقلال

المال للاستقلال

كم أضعنا – نحن المسلمين- من روائع ديننا الإسلامي الحنيف، وفرّطنا في جواهره الثمينة، منشغلين بالجزئيات عن الكليات، وبالفرعيات عن الأصليات، ولم ينج من هذا “الداء” إلا أولو الألباب من المسلمين.

من حقائق الإسلام ومقاصده التي عُني بها، وحرص عليها، ودعا إليها تحصيل المال لما له من أثر في حياة المسلمين الخاصة والعامة، إلى درجة أن بعض المسلمين منعهم من الجهاد في سبيل الله عدم وجود وسائل ذلك الجهاد، حيث ذكر القرآن الكريم أن أناسا جاءوا إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم- يريدون الخروج للجهاد في سبيل الله، فأخبرهم بأنه ليس عنده ما يحملهم عليه، فتولّوا وأعينهم تفيض من الدمع. وكلنا نعرف ما بشّر به رسول الله – صلى الله عليه وسلم- سيدنا عثمان ابن عفان – رضي الله عنه- من خير بعدما جهّز جيشا من جيوش المسلمين من ماله الخاص.

إن العلماء ذوي العقول الرشيدة، والفهوم السديدة، والأنظار البعيدة جعلوا المال أحد مقاصد الإسلام وكلياته إضافة إلى الدين، والنفس، والعقل، والعرض، ولكن كثيرا من “العلماء” زهّدوا الأمة في الجهاد المالي، وأوهموها أن السعي لتحصيل المال الحلال إنما هو انغماس في الحياة الدنيا، وإعراض عن الآخرة التي هي الحيوان.. وكيف تكون يد المسلم هي العليا وهو يمدها ليأخذ من غيره؟ وكيف يكون المؤمن قويا، وهو ينتظر لقيمات يُقمن صلبه يتفضل بها عليه من يكيدون له ويتربصون به؟ لأن “علماءه” زينوا له القعود عن الضرب في الأرض، وأوهموه أن الدنيا للكفار والآخرة للمؤمنين، وقد تجرأ أحد هؤلاء “العلماء” فقال: “السّنة ترك العمل”.

من أجمل ما قيل عن أهمية المال في الإسلام ماقاله أحد العلماء، وهو أننا إذا استثنينا الشهادتين، فإن نصف الإسلام لا يؤدى إلا بالمال، ويعني الزكاة والحج.. فمن ليس له مال سقط عنه كل من الزكاة والحج.. وفضلهما غير مجهول عند عامة المسلمين فضلا عن خاصتهم.

ومنذ أيام كنت أقلب الصفحات جريدة البصائر فلفت نظري مقال للشيخ أحمد سحنون، وقد نشره في العدد 240 بتاريخ 11-9-1953، عنوانه “الزكاة”، وكدت أنتقل إلى صفحة أخرى ظنا مني أن الزكاة من المعلوم من الدين لولا أن عينيّ كانتا أسرع من يدي فقرأتا كلاما جميلا، ليس غريبا عن فهم الشيخ الجليل أحمد سحنون السديد لمقاصد الإسلام وهو قوله: “لا أبالغ إذا قلت: إن المال طريق الاستقلال، وأن الزكاة في الاسلام تجنيد للمال في معركة الاستقلال”.

إن شعبنا وأمتنا اليوم أحوج ما يكونان لإعداد المال من أجل الاستقلال الحقيقي، الذي لا يتم إلا عن طريق العلم والاقتصاد.

لقد أخطأ الذين زيّنوا لأمتنا الزهد الذي لم يأمر به الله – عز وجل- حيث لانجد في القرآن الكريم ذكرا للزهد إلا ما ذُكر فيه من بيع أبناء سيدنا يعقوب عليه السلام لأخيهم يوسف، الذين باعوه بثمن بخس، “وكانوا فيه من الزاهدين”. بل يفهم من سياق الآية أنها نوع من التوبيخ لهم إذ لم يعرفوا قيمة يوسف فشروه بثمن بخس..

وكما يحرص الإسلام على تحصيل المال بطرقه المشروعة، فإنه يحرص على إنفاقه في وجوهه المشروعة، وقد أنبأنا رسول الله – عليه الصلاة والسلام- أن كل مسلم سيسأل أمام الله عن المال الذي اكتسبه أمن حلال هو أم من حرام، وفيما أنفقه؟

إن أكثر الناس موتا من الجوع اليوم هم من المسلمين، إما لأنهم زُهّدوا في تحصيل المال، وإما لأنهم بذروا هذا المال في اللهو وفيما لا جدوى فيه..

إن كثيرا من الأخوة هنا في الجزائر سيشدون الرحال لأداء سنة العمرة، وقد سبق لكثير منهم أن اعتمروا عدة مرات، فلماذا لا تنفق هذه الأموال في مشروعات تنفع المؤمنين، لقد سبق أن قلت إننا مأمورون بفعل الخير بنص الآية الكريمة “وافعلوا الخير”، وقلت إن فعل الخير كفعل النحو، وفعل النحو نوعان متعدّ ولازم. فمن اعتمر عدة مرات فعل خيرا، ولكن خيره لم يتجاوزه إلى غيره.

إن خصوم الإسلام قد كثروا في بلادنا، وهم محيطون بالإسلام من كل جانب، ويرمونه بكل نقيصة عبر جرائدهم، ومجلاتهم، وقنواتهم.. ونحن لا نملك لا جريدة، ولا مجلة، ولا قناة تجادل عن الإسلام، وتسفه أقاويل خصومه، لأن من استخلفهم الله منا في بعض رأوا أن “غسل عظامهم” بالعمرة المتعددة وكثرة الحج أفضل من الجهاد العلمي، تبيينا لحقائق الإسلام، وكشفا لمؤامرات خصومه وأعدائه، وتثبيتا لأقدام المجادلين عن الإسلام..

إن رمضان فرصة للعمل الجاد، ولتحصيل المال الحلال، وإنفاقه فيما يعود على الأمة من خير.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!