المتعلّقون بأستار الكعبة
اختلفت الروايات حول محاولة الحرق التي أقدم عليها رجل سعوديّ في صحن الحرم المكي بجوار الكعبة المشرّفة، يوم الثلاثاء الماضي، بين من قال إنّ الأمر يتعلّق بمحاولة إحراق ستار الكعبة المشرّفة، أقدم عليها شخص مريض نفسيا! وبين قائل إنّها كانت محاولة للفت الأنظار، قام بها رجل رفضت العدالة البتّ في نزاع نشب بينه وبين عمّه بسبب ميراث استأثر به العمّ وحوّله إلى عقارات وتجارات لا تبعد عن الحرم سوى بضعة كيلومترات.
أيا يكن الغرض والهدف من هذا الفعل، فإنّه مستهجن بكلّ المقاييس والمعايير، لأنّ المحلّ ليس محلا للاحتجاج على مطلب دنيويّ، فضلا عن أن يكون محلا لرسائل يراد بعثها إلى جهة معيّنة بطريقة لا يقبلها مسلم عاقل أيا كان مذهبه وتوجّهه. لكنّ هذه الواقعة تحتاج إلى النّظر في مسبّباتها، لأنّها– ولا شكّ- تشي بحجم الاحتقان السّائد في أوساط بعض المسلمين، بسبب غياب العدالة والعدل في واقعهم، وبسبب شيوع الظّلم واستشراء المظالم، وشعور قطاع عريض منهم بالضّيم والقهر، إلى الحدّ الذي يجعل الواحد منهم يفكّر في إحراق نفسه أو إحراق ستار الكعبة المشرّفة ليلفت الانتباه إلى مظلمته، وربّما تشي باحتقان متصاعد في أوساط كثير من المسلمين بسبب البذخ الذي يعيشه أصحاب الحظوة منهم، في مقابل الحرمان الذي يكابده عامّتهم، كما أنّها ربّما تشي أيضا بحالة التذمّر التي يعيشها المسلمون بسبب الذلّ والهوان الذي ترزح فيه أمّتهم، إلى الحدّ الذي أصبحت معه أطهر وأقدس الأماكن عندهم محاطة بالقواعد العسكرية الغربية، التي تنطلق منها طائرات الأعداء لإرهاب الأبرياء.
قديما كان المظلومون إذا أوصدت أمامهم الأبواب، ولم يجدوا نصيرا، لاذوا بالكعبة وتعلّقوا بأستارها، وكان من يفرّ من ظلم البشر يتعلّق بالأستار حتى لا يقربه أحد، لأنّ الكعبة كانت لها هيبتها منذ زمن الجاهلية. فهل يلزم أن يضطرّ المقهورون إلى إحياء عادة التعلّق بأستار الكعبة، بصور قد يكون بعضها عنيفا ومنكرا، حتى يثوب ولاة أمر المسلمين إلى رشدهم، ويرفعوا المظالم المسلّطة على بسطاء النّاس من طرف أصحاب النّفوذ والحظوة والمناصب، وينظروا في الغمّة التي تلبّدت لها سماء الأمّة بسبب حبال الودّ التي دلّيت إلى أقوام أكّد القرآن أنّهم لن يرضوا عن المسلمين حكاما ومحكومين حتى يتّبعوا ملّتهم؟