الرأي

المجزرة المنسية

تُعرّف في التاريخ، الكثير من الحروب العربية والعالمية، بالمنسية، بسبب طول نفَسها، وتكرّر أيامها وانعدام الحلول فيها، من الباسوس التي دامت أربعين سنة إلى حروب الاسترداد، في شبة الجزيرة الإيبيرية، التي عمّرت أكثر من 700 سنة، فكانت نسيا منسيا، وحتى حرب الاستنزاف بين الكيان المحتل والجيش العربي بعد نكسة 1967 كانت طويلة ومرهقة ودخلت دائرة النسيان في لهبها ودمائها، لكن أن نجد أنفسنا في مجزرة طويلة الأمد إلى درجة أن تدخل دائرة النسيان، فذاك ما يمكن اعتباره سابقة، تقرّب البشرية بسرعة من نهايتها أخلاقيا، إن لم تكن قد انتهت فعلا.

لا يمرّ يوم هادئ في قطاع غزة، دون أن تقتل فيه الآلة الصهيونية أطفالا ونساء وعائلات، فبالنسبة للمخطط الصهيوني، فإن الإبادة هي جمع يومي للمجازر، حتى يُباد هذا الشعب، مالك الأرض والحق، ولا يمرّ يوم من مسلسل هذه المجازر الطويلة إلا وتكررت وتشابهت ودخلت دائرة النسيان، لدى الكثير، بدليل، أن التلفزيونات العربية ما عادت لها، في نشراتها الدولية فقرات خاصة عن أحداث غزة.

المؤلم أن الجناة ومحاميهم من نتانياهو إلى ترامب، لا يتوقفون عن المرافعة وتبرير ما يقومون به من مجازر يومية فظيعة، بينما دخل أهل الضحايا، من عرب ومسلمين في دائرة النسيان واللامبالاة فتحولت الأحداث إلى ما يشبه البورصات والأحوال الجوية ونتائج مباريات الكرة، وفقدت لأول مرة في تاريخ البشرية المجزرة أحرفها المرعبة، وألوانها الحمراء الدامية، وبشاعتها، بسبب فيروس النسيان.

كنا نراهن على تعب العدو ونفَسه القصير في الحروب، وعلى تاريخ المواجهات التي كان في كل مرة يسعى إلى إنهائها خوفا على “شعبه” الهجين الذي لا يريد سوى الأمان والرخاء، فإذا به ينقل الحرب من أول أيامها إلى مجازر، بهدف إبادة كاملة لشعب، لم يكن يظن أن المجازر أيضا تُنسى.

أعلن أبطال حماس طوفان الأقصى من أجل أن يحيوا القضية الفلسطينية التي وُضعت على الجانب، وما بقي ذكر فلسطين في الكثير من البلاد سوى كتاريخ قديم، ونجحوا فعلا في رمي “الألم” في صدر العدو، وزرع “الأمل” في صدر الأمة، قبل أن يقود نتانياهو حربا مختلفة، ليست كلاسيكية ولا عصرية، بل جرائم حرب وإبادة ومجازر لا تتوقف، وبدلا من ردّ عالمي صارم وحاسم، دخلت المجازر دائرة النسيان، حتى نسينا النسي نفسه.

تعرضت فلسطين في محنتها الأخيرة إلى الكثير من الخيانات، من تطبيع مع العدو ومساعدته بالمال والأخبار، فلم يجد عرب ومحسوبون على الإسلام حرجا في الاحتفال بمقتل إسماعيل هنية ويحيى السنوار ومحمد ضيف، وغُلقت المعابر حتى يموت أبناء غزة جوعا وقهرا، واستغل العدو فرصة العمر، فلم يكن يتصوّر أبدا، أن أهل العرب، أشد الناس “حبا” لليهود، فنقل الحرب إلى درجة المجازر، فلا هدنة ولا توقيف للقتال في عُرفه، ما دام العرب أنفسهم إلى جانبه، ولكن ما حزّ في النفس، هذه المجازر، وهذا النسيان.

مقالات ذات صلة