المخابرات الفرنسية عذّبت مهاجرين جزائريين في حربها ضد الإرهاب
أجابت محكمة الجنايات الدولية بالرفض في قضية رفعها أحد الجزائريين ضد المخابرات الفرنسية السرية يتهمها بتعذيبه نفسيا وجسديا عندما كان مهاجرا داخل التراب الفرنسي سنة 1987، حيث تعرض إلى أبشع أنواع التعذيب لا يزال يحمل آثاره في جسمه لحد الآن .
وكانت محكمة الجنايات الدولية قد تلقت الدعوى المرفوعة من طرف المواطن الجزائري المدعو بوزاهر العربي من مواليد ولاية خنشلة وأجابت بقبولها شكلا ومضمونا يوم 5 أكتوبر 2009 بعد تصفح فحوى الشكوى والوثائق المرفقة كأدلة من طرف رئيس مكتب الاستعلامات والأدلة لمكتب وكيل النيابة للمحكمة، وبعد مرور سنتين من تسجيل القضية راسلت المحكمة تشكر فيها المواطن الجزائري على اللجوء إليها كهيئة لمقاضاة جهة رسمية فرنسية وهي وزارة الداخلية كهيئة مسؤولة عن مصالح المخابرات التي قامت بتعذيبه، لكن المحكمة تتأسف لعدم إمكانها الفصل في مثل هذه القضية معتمدة على المادة 11 من ميثاق روما بعدم الاختصاص، فالمحكمة متخصصة في الجنايات المرتكبة ابتداء من 1 جويلية 2002 تاريخ دخول ميثاق روما حيّز التطبيق، وتجيب المحكمة أن قضية التعذيب وقعت قبل تاريخ 2002 مما يجعلها لا تملك الطابع القانوني ما عدا إن كان هناك مستجدات في القضية.
ويقول صاحب الدعوى إنه تعرض لتعذيب لا يوصف عندما اعتقلته المخابرات الفرنسية بتاريخ 20 ماي 1987، حيث كان خارجا من بيته وهو مهاجر شرعي يملك كل الوثائق بما فيها وصل سجل تجاري تحصل عليه من طرف السلطات الفرنسية، فاجأه شخص طلب منه أن يعيره “نارا” ليشعل سيجارة وبمجرد أن أدخل يده في جيبه حتى حاصره عدد من رجال الشرطة ملثمين ومسلحين ألقوا القبض عليه وربطوا يديه خلف ظهره وغطوا وجهه واقتادوه إلى مكان مجهول، قيدوا يديه بالأغلال في جهاز التدفئة وأخضعوه إلى استنطاق بوليسي لمدة أربعة أيام بدون أكل ولا شرب، تفقدوا وثائقه وكانت سليمة وقانونية لكنهم كانوا يوجهون له الأسئلة باسم آخر يقولون له أنت “قورجي وحيد الجاسوس الإيراني”.
وكان الجزائري يجيب بالنفي طيلة الاستنطاق الذي تذوّق فيه أبشع أنواع التعذيب، حيث يقول إنهم شدوا ساقيه بمجسات موصولة بجهاز فيه إبرة غرزت في أحد أصابع يده تبعث شعلات حرارية إلى كامل جسمه تتبعها موجة برد قاسية تجمده حتى تشعره بالسيلان والتعرق فيفقد وعيه، واستمر التعذيب لمدة ساعات طويلة لا يزال يتذكرها لحظة بلحظة ويجهش بالبكاء بعد أكثر من 20 عاما، يقول “لقد أطلقوا سراحي عندما تأكدوا من أن لا علاقة لي بالجاسوس الذي يبحثون عنه، أعطوني كوبا من الماء فنمت بعدها ولم أستيقظ إلا وأنا مرمي في أحد الأحياء في حالة يرثى لها لم أستطع أن استجمع قوايا من شدة التعب والألم ومن شدة الحروق التي كانت على جسمي، ولم أعرف من هو “قورجي وحيد” إلى غاية 8 جوان من نفس السنة أي بعد شهر عن توقيفي لأول مرة وأنا داخل البيت استوقفتني سيارة ليلا على متنها مدنيان من الشرطة، طلبا مني وثائقي ثم اقتاداني إلى قسم للشرطة في باريس بعدها أعاداني إلى المحافظة السابعة عشر للاستنطاق مجددا، كنت أحاول أن أقنعهم أنني جزائري ولست إيرانيا لكنهم أرادوا أن يلبسوا لي التهمة، فانهارت أعصابي فلم أجد أمامي سوى أن أكسر نافذة من الزجاج، فتعرضت إلى ضربة بأداة حادة في رأسي لا تزال أثرها إلى اليوم. وأدخل إلى مستشفى “بيشا” بفرنسا حيث أجريت له عملية جراحية ومنحه الطبيب عجزا بـ52 يوما لكنه أرغم على مغادرة المستشفى في حالة صحية متدهورة بعد أربعة أيام فقط، وحذروه من التكلم أو الاتصال بوسائل الإعلام آنذاك.
في تلك الأثناء كانت قضية “قورجي وحيد” من مواليد 6 ماي 1960 بطهران وهو دبلوماسي متورط في حرب السفارات بيين فرنسا وإيران التي بدأت سنة 1987 بعد سلسلة من التفجيرات وعمليات احتجاز للرهائن الفرنسيين منها تفجيرات سنة 1986، والتي اتهم فيها الدبلوماسي الايراني الذي كان في الحقيقة مجرد مترجم في السفارة الايرانية، حيث أصدر القاضي بتاريخ 2 جوان 1987 مذكرة توقيف ضده، لكن الشرطة لم تعثر عليه واعتقلت الجزائري بوزاهر العربي بدلا منه نظرا للشبه الكبير الموجود بينهما.
هذه القضية لم تنفها ولم تكذبها أية جهة رسمية سواء السلطات الفرنسية ولا الايرانية، لكن ضحيتها آنذاك كان جزائريا وهو مهاجر بسيط لا علاقة له بهذه الصراعات الكبرى، قاده الحلم إلى فرنسا ليعمل فقط ليجد نفسه في دوامة يتذوّق مرارتها إلى غاية الساعة قال لنا “هذه الحادثة جعلتني نصف إنسان”
وقد لجأ الى رفع دعوى ثانية أمام المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان ليستعيد بها كرامته لكن المحكمة اجتمعت يوم 22 ماي 2012 برئاسة القاضي “لوباز غييرا” وحكمت بأن قضية المواطن الجزائري التي رفعها ضد المخابرات الفرنسية قد تم رفضها، وهو قرار نهائي تقول المحكمة بحيث لا يستطيع أن يستأنف أمام الغرفة العليا أو أمام أي جهة قضائية.
وفي هذه القرارات علق حقوقيون جزائريون بأن مثل هذه المحاكم الدولية لا تقبل القضايا التي يرفعها الجزائريون ضد السلطات الفرنسية مهما كان نوعها وحتى بالأدلة لأن محكمة العدل الدولية في الأساس هي أمريكية فرنسية يهودية حسب ما صرح به المحامي الأستاذ بهلولي ابراهيم، محام لدى المحكمة العليا، مؤكد ا أن فرنسا خلال ما يسمى حربها ضد الإرهاب أو الجوسسة، انتهكت حقوق المهاجرين من خلال الاستنطاق والاعتقالات بحجة حماية مواطنيها، وعندما يلجأ أي مواطن ليس أوروبيا إلى العدالة الدولية يتذرعون بأن بلده لم توقع على المواثيق الدولية أو أنها محكمة متخصصة في جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية، لكن لو لجأ إليها أي مواطن من جنسية أوروبية لقبلت الدعوى وكانت التغطية القضائية ذات بعد كبير، وقال المحامي على كل شخص مهاجر تعرض للتعذيب أن يثبت الضرر أمام المحاكم الفرنسية حسب القواعد العامة للمسؤولية المدنية، وأكد المحامي بهلولي أن الكثير من المهاجرين الجزائريين تعرضوا للتعذيب من طرف السلطات الفرنسية لكنهم لم يرفعوا أية قضية أمام القضاء الفرنسي نظرا لتكاليف التقاضي الباهظة.
كما أن الدولة الجزائرية لا تملك نصوصا قانونية تدافع عن كرامة المواطن في الخارج أو يسمح للدولة بالتدخل والتأسس كطرف في القضايا المتعلقة برعاياها، فكما وقعت الجزائر على قانون تسليم واستلام المجرمين يجب أن يكون هناك قانون وفق الاتفاقيات الدولية لمتابعة قضايا التعذيب.
من جهة أخرى هناك مراسلات إلى منظمات العفو الدولية ضد مصالح فرنسية متورطة في تعذيب مهاجرين جزائريين لكنها تجيب بأنها لا تملك التمويل المادي الكافي للتحقيق في مثل هذه القضايا، علما أن هذه المنظمات كانت السباقة في التحقيقات داخل الجزائر خلال العشرية الماضية ولم تشك من ندرة التمويل في التحقيقات على التراب الليبي التونسي السوري.