المخزن: ويلٌ للمصلين!
الاحتفالاتُ الصَّاخبة التي نظمها المخزن في شتى المدن المغربية للتغطية على احتجاجات حركة “جيل زاد 212″، ليس لها ما يبرّرها في أرض الواقع؛ فلا البوليزاريو استسلمت لإرادة المخزن وقبلت حكمه الذاتي، ولا مجلس الأمن الدولي تحدَّث فقط عن هذا الحلّ أو عن “مغربية الصحراء” أو حتى تصفية “المينورسو” بعد ثلاثة أشهر كما يريد المخزن.. صحيحٌ أنّ المجلس انحاز إلى طرح الحكم الذاتي، لكنّه مع ذلك لم يقدّمه على أنّه الحلُّ الوحيد؛ بل تحدّث أيضا عن خيار آخر وهو حقُّ شعب الصحراء الغربية في تقرير المصير، وقد وردت هذه العبارة بوضوح مرّتين في نص القرار، والبوليزاريو متمسّكة بهذا الحقّ الذي يكفله ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، وترفض أيَّ تفاوض خارج هذا الإطار، فلماذا كلّ هذه الاحتفالات إذن؟!
لنقرأ حرفيًّا جزءا من الفقرة الثالثة من نصّ القرار: “.. يؤكد (مجلس الأمن الدولي) مجددا التزامه بمساعدة الطرفين على التوصّل إلى حلٍّ سياسي عادل ودائم ومقبول من الطرفين، قائمٍ على التوافق، ويتماشى مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة ومقاصدها، بما في ذلك مبدأ تقرير المصير”.. هذا الجزء يتحدّث بوضوح عن مبدأ تقرير المصير الذي تقرّه الأمم المتحدة، وهو يعني منح الصحراويين حقَّ الاختيار بين الاستقلال والحكم الذاتي، والاختيارُ هنا لا يكون إلا بموجب استفتاءٍ حرٍّ ونزيه بإشراف أممي ودولي، فكيف يؤوِّل المغرب إذن القرار لصالحه على طريقة “ويلٌ للمصلين” ويزعم أنّه حسمَ في حلّ الحكم الذاتي وحده؟!
وحتى حينما يتحدّث القرار عن الحكم الذاتي فهو يستعمل صيغة غير حاسمة خلافا لزعم المخزن، والدليلُ ما ورد في إحدى الفقرات حرفيًّا من أنّ “الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكل الحلَّ الأكثر جدوى”، وفي فقرةٍ أخرى “الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثّل النتيجة الأكثر جدوى”، وعبارة “يمكن أن” التي تكرّرت مرتين، تفيد الاحتمال هنا وليس القطع والحسم، والأمر واضحٌ ولا يحتاج إلى مكابرة وعناد وليّ أعناق النصوص.. النصُّ الأمريكي الأوّل كان يعدّ الحكمَ الذاتي، وبصيغةٍ قطعية “هو الحلّ الأكثر جدوى”، لكنّه بعد ثلاث مراجعات من أعضاء مجلس الأمن جاء النصُّ النهائي بصيغة أخرى مرنة وهي: “يمكن أن يشكّل الحلَّ الأكثر جدوى”، وهناك فرقٌ صارخ بين العبارتين لا تُخطئهما أعينُ خبراء القانون الدولي والمحللين والمتتبّعين المنصفين في العالم أجمع إلا أعين المخزن ومحلليه وإعلامييه وذبابه الإلكتروني الغارق في الذاتية والترويج للأوهام…
وبموجب هذا القرار التوفيقي، لم ينجح المغرب في فرض الحكم الذاتي كحلٍّ حصري كما قال وزير الخارجية أحمد عطّاف، بل ترك المجال واسعا للتفاوض على حلٍّ آخر قائم على حقّ تقرير المصير؛ أي الشرعية الدولية التي يقرّها ميثاقُ الأمم المتحدة والقانون الدولي، وبداهة أنّ محاولة المغرب فرض الحكم الذاتي على الصحراويين وإجبارهم عليه، هي محاولةٌ يائسة ولن تنجح وإن استقوى بالولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا ودول أخرى، لأنه حكمٌ يتّسم بالقهر والإجحاف ولا خيار للصحراويين فيه، أمّا الحلُّ القائم على الاختيار الحرِّ بين الحكم الذاتي والاستقلال، فهو حلٌّ ديمقراطي ويجب تمكينُ الصحراويين منه كما مُكّنت شعوبٌ عديدة من هذا الحقّ طوال العقود الماضية، ولنتذكّر فقط تيمور الشرقية في 1999 وجنوب السودان في 2011… فلماذا يُستثنى الشعبُ الصحراوي من هذا الحقِّ الذي تكفله الأمم المتحدة لشعوب العالم جميعا؟! وبأيّ حقٍّ يُفرض عليه الحكمُ الذاتي قسرًا ومن دون أن يختاره بنفسه بموجب استفتاء حرٍّ ونزيه يشمل أيضا خيار الاستقلال؟!
ولا يفوتنا في الأخير أن نقول لعمر هلال، مندوب المغرب بالأمم المتحدة، الذي كان يتجوّل في أروقة الأمم المتحدة منتشيًّا بقرار مجلس الأمن، ثم قام بحجب علم الجزائر بالعلم الأمريكي في حركةٍ تحمل دلالة واضحة على مدى استقواء المخزن بالولايات المتحدة.. نقول له: لقد قطعتَ عمليًّا يد ملكك الممدودة إلى الحوار مع الجزائر بهذه الحركة الاستفزازية التي لا يقوم بها عادة سوى الغوغاء والرُّعاع في الشَّارع، في حين ترفرف راياتُ الكيان الصهيوني المجرم خفّاقةً في سماء بلدك.. يا للعار!