الرأي

المصالحة مع فرنسا الاستعمارية

ليس عيبا أو عارا أن يفاجئنا وزير جزائري يخطب أمام الوزراء العرب بغير لغة بلاده الرسمية ما دامت هذه اللغة تستخدم حتى في اجتماعات مجلس الوزراء والحكومة، وتحرر بها الوثائق الرسمية، ولكن العيب والعار هو أن تكون الذكرى الخمسين للاحتفالات المزدوجة باسترجاع السيادة وعيد الشباب مطية لأمثال هؤلاء لمصالحة الجزائر مع (فرنسا الاستعمارية).

13 سنة إنجازا و37 عاما فشلا

حين وقع قادة جبهة التحرير الوطني “اتفاقيات إيفيان” باللغة الفرنسية أدركت أنه يستحيل تحرير الجزائر من لغة العدو، كما فعلت فيتنام، إلا بعد رحيل “الجيل” الذي يعتبر هذه اللغة “مكسبا وطنيا” و”غنيمة حرب”، وحين ثبت الرئيس احمد بن بلة عام 1963م يوم 05 جويلية 1962م يوما وطنيا للاستقلال ازدادت قناعتي بالابتعاد عن استرجاع السيادة التي بدأت بتاريخ 19 مارس 1962م حين تم الاتفاق على توقيف القتال.

ففي خطاب ألقاه بومبيدو أثناء تنصيبه وزيرا أولا في 26 أفريل 1962م خاطب فيه فرنسيي الجزائر قائلا: “إن الاتفاقيات المتوصل إليها تمنحكم الضمانات الضرورية لأشخاصكم وممتلكاتكم، وتكون فرنسا غيورة في سهرها على احترام الضمانات بكل حزم”.

وهذه الاتفاقيات حسب المعارض لها موريس آلي ترتكز على فرضية وهي أن الجزائر ستحتفظ بهيكلها السابق (أنظر كتابه الجزائر واتفاقيات إيفيان ص 30)، بمعنى أن الإدارة الجزائرية ستبقى في عمقها إدارة فرنسية.

إنه من حق الجزائريين أن يحتفلوا بنصف قرن من استرجاع السيادة وليس بـ13 سنة من حكم رئيس من بين سبعة رؤساء تناوبوا على رئاسة البلاد، ولا يستطيع أحد منا أن يستوعب الاحتفال بالذكرى عبر ملف منشور بالألمانية والإنجليزية والفرنسية والعربية في شكل إشهار عن مرحلة من تاريخ الجزائر المستقلة دون بقية المراحل.

كان يفترض أن تختار السلطات الجزائرية ميناء العاصمة الذي خرجت منه فلول الاستعمار الفرنسي على أن يقام العرس في شارع جيش التحرير مثلما كان يحدث في عهدي الرئيسين هواري بومدين والشاذلي بن جديد ويحضره رؤساء الجزائر الأحياء وعقداء الثورة وما بقي من مجموعة 22 إلى جانب رؤساء الحكومات السابقة، على أن يشارك الجزائر ي احتفالاتها بهذه الذكرى الرؤساء العرب الذين احتضنت أقطارهم قيادات الثورة وفي مقدمتهم مصر وليبيا وتونس، ولا نحتاج إلى ملف إشهاري لنشره في صحف مثل لوموند والتايمز ويواس أي توداي أو فايننشال تايمز أو دوتشلاند أو الشرق الأوسط أو الحياة لأن الحدث يفرض نفسه عليها.

إن اختيار سيدي فرج مكانا للاحتفالات ليس له تفسير سوى أنه احتفال بنزول القوات الفرنسية سنة 1830م وطباعة أول صحيفة باللغة الفرنسية في الجزائر وهي بريد الجزائر.

المصالحة مع الذات الفرنسية

إذا كان أول حديث مع المصالحة مع فرنسا قد جاء على لسان وزير سابق في حكومة الرئيس الراحل أحمد بن بلة عام 1963م فإن هذه المصالحة يراد لها اليوم أن تكون أمرا واقعيا، إنه من حق الحكومة الموازية للحكومة الحالية أن تقرر مكان وتاريخ الاحتفال وأن تدعو من تشاء لأنه لم يعد لنا رئيس حكومة مثل احمد بن بيتور يرفض وجود حكومة موازية لحكومته كما ورد في نص استقالته الموقعة في 26 أوت 2000م، وإذا كان هناك من يريد دعوة أنريكو ماسياس للاحتفال معه بالذكرى فإننا لا نعتقد أنه بمقدور الجزائر أن تتحمل عودة الأقدام السوداء ولكننا نعتقد أن من يحتفلون بالذكرى في عطلة البرلمان والوزراء لا يستطيعون أن يحدثوا تغييرا يستجيب لمطالب الناس لأن المصالحة مع فرنسا الاستعمارية لا تستطيع أن تمحو جرائمها في الجزائر.

مقالات ذات صلة