المعركة التي يخسرها المسلمون في عقولهم
“إذا أردت أن تقتل كلبك فاتهمه بالكلَب” هكذا يقول بعض أمثالهم، وقد جاءت له ترجمة حديثة في تعامل قوى الاستكبار مع العالم الإسلامي الذي عمد رسميا كعدو أول للحضارة وجب قتاله بكل ما أوتيت هذه الحضارة من قوّة غاشمة، حتى أنه ليس في العلم موضوعٌ يتحقق حوله الإجماع الدولي مثل موضوع قتال ما يسمى بـ”الإرهاب الإسلامي”.
القصة بدأت مع الغزو الأمريكي للعراق وتعثره أمام مقاومة شعبية أحبطت قيام مشروع “القرن الأمريكي” قبل أن تعالَج بوصفة “الكَلَب” ورميها بتهمة الإرهاب، كما حاول الاستعمار القديم تغطية جرائمه ضد الشعوب باتهام المقاومين بأوصاف مماثلة كـ”الفلاقة” وعصابات “الخارجين عن القانون”، وليس ببعيدٍ عنا تصنيف الكيان الصهيوني للمقاومين الفلسطينيين تحت نفس الخانة.
تحت هذا العنوان “المحمود” في الثقافة السائدة، القابل للتسويق داخل رأي عالمي مستلَب معلَّب، تُنفَّذ اليوم جرائمٌ فظيعة في سورية والعراق، ويُنفذ على المباشر هدمُ مدن على رأس المدنيين العزل بحجة “تحريرهم من الإرهابيين”، فيما تزهو الأمم المتحدة بما أعدّته من مرافق لاستقبال اللاجئين الفارين من الجحيم، وتشجِّعهم على الهجرة بلا أمل في العودة كما فعلت من قبل مع الفلسطينيين.
بعض الشرفاء في الأمة يتحسَّر اليوم أمام قوائم الشهداء من الصبية والنساء والشيوخ في المذابح التي تُنفذ في العراق وسورية، ويذرف الدموع على مدن قد أقبرها التحالف الدولي الصليبي الصفوي لتصبح أثرا بعد عين في الفلوجة والرمادي وتكريت، سوف تلحق بها بعد حين الموصل وحلب والرقة، فيما أرى خسائر أعظم وأخطر لهذه الحرب العالمية بوجدان العرب والمسلمين وبعقولهم، وقد سقط الكثيرُ أمام الخدع البصرية، وبات يكرر كالببغاء الأحمق عبارات التهم التي تسوّغ للجريمة مثل: الإرهاب، والتكفير، والوهابية، والخوارج… فيما المستهدَف بالقتل هو المسلم، والمستهدَف بالاجتثاث هو الإسلام.
لا أحد في الإعلام الغربي والروسي والعربي يلتفت اليوم إلى أكثر من أربعين فصيلا ميليشياويا صفويا شيعيا علويا كرديا يشارك في معارك حلب والموصل جنبا إلى جنب مع قوات نظامية من الحلفين، قد رفعوا شعارات دينية كاذبة لا تختلف كثيرا عن شعارات “القاعدة” و”داعش”، وارتكبوا جرائم لا تُحصى في أرياف الشام وحواضر العراق، ولا أحد يلتفت للخطاب التكفيري الإلغائي الذي يسوِّق لمعارك حلب والموصل تحت شعار “يا لثارات الحسين” ولم نسمع مرجعا دينيا شيعيا يدين هذا الخطاب التكفيري الإلغائي، كما لم نسمع رجل دين نصرانيا من الكنيستين يدين الخطاب الإلغائي الغربي في حق المسلمين، فيما نرى مزايداتٍ بين مشايخ الأزهر والحرمين والزيتونة وأقطاب الإعلام العربي التابع في خطاب يردِّد كبنت الصدى الأساطير التي تصوِّر المسلمين كضحايا للفكر التكفيري الوهابي الإرهابي، الذي يشرِّع للمجموعة الدولية قتل المسلمين ويسوِّقه كحالة تحرير بالقوة.
بقي أن نثبت حقيقة لا تُردّ: أن من يسلِّم اليوم بحق المجموعة الدولية في قتل العراقيين والسوريين بحجة “تحريرهم من إرهاب التكفيريين”، وجب عليه أن يستعدّ للتسليم غدا بحق المجموعة الدولية باجتياح الحرمين الشريفين بحجة “اجتثاث الفكر الوهابي التكفيري” و”تحرير بلاد الحرمين” كما تُحرَّر اليوم حلب والموصل بردم العمران على أهله، وبيوت الله على عباد الله.