المعلومة الأمنية: حلقة مفقودة تفرض تداركا
أعاد ما انتاب اختطاف ثمّ إعدام الرهينة الفرنسي “بيار هيرفي غرودال” الجدل حول التعاطي مع المعلومة الأمنية في الجزائر، في ظلّ تموقعها كحلقة لا تزال مفقودة في الجزائر، رغم حساسيتها كدعامة تستبعد، لذا تقاطعت فعاليات في حتمية التدارك .
في تصريحات خاصة بـ”الشروق أون لاين”، لاحظ الإعلامي “صابر أيوب” أنّ غياب المعلومة الأمنية عموما، ونظيراتها الادارية والاقتصادية في مصالح وأجهزة الدولة الجزائرية بمؤسساتها وإداراتها، لم يكن مرتبطا بالأزمة الأمنية فقط، بل الأمر يتعلق بما سماها “ثقافة سيئة ورثتها البلاد منذ استقلالها”، ويربط أيوب الأمر بعدة عوامل “تاريخية، وأخرى متعلقة بطبيعة النظام الذي اختارته البلاد غداة استقلالها، فضلا عن عوامل أخرى قانونية وإدارية وحتى ثقافية”.
ويقدّر أيوب: “جيل الأمس وهو من يحكم الجزائر اليوم، ورث ثقافة التكتم، وعادة التستر عن المعلومة، وخاصة إذا كانت أمنية من أيام الثورة، كان ذلك مجديا أثناء النضال من أجل استقلال البلاد، لكن للأسف استمرت الممارسة ذاتها، وتحولت إلى ثقافة غير صحية”.
ويضيف أيوب: “أصبح المسؤول يتهرّب من تحمّل مسؤولياته، ويغطي على عثراته ويتستر عن تصرفاته بحجة السرية المهنية، وهذا ما وفّر مساحة ظل غابت فيه الرقابة وحضرت فيه التلاعبات (..)، هذا الوضع أراح الحكومة من أعباء إبلاغ الشعب عما يجري في البلاد، ومع مرور الوقت لم تعد هناك حاجة أصلا للتواصل مع الشعب، سواء عن طريق وسائل الإعلام أو عبر البرلمان”.
ويجزم أيوب، أنّ “التستر وعدم الاكتراث واللامبالاة في ابلاغ المواطنين بما يحدث في بلادهم أو حتى في أحيائهم، هي ممارسة منتشرة على مستوى كامل الادارات والمؤسسات، رغم أنّ القانون واضح ويفرض على كل الادارات بما فيها العسكرية والأمنية، إبلاغ الرأي العام في الوقت المناسب بكل الأمور التي تخصه، وهذا عدا طبعا بعض الحالات المحصورة، وغالبيتها مرتبطة بسير التحقيقات”.
ويفسّر “أيوب” ما يحصل، بكون ” الادارة الجزائرية ونظرا لطبيعة النظام السياسي والاقتصادي الشمولي الأحادي الذي اتبعته البلاد بعد الاستقلال، لم يجد المسؤولون ضرورة لإبلاغ المواطنين بما يحدث من شؤون تخصهم، ويشير محدثنا: “هذه الإدارة رأت أنّ ذلك رفاهية لا تعني المواطنين الذين لا يحتاجون المأكل والمشرب وبعض الخدمات الضرورية مثل التمدرس والتطبّب، أما حق المواطن في الحصول على المعلومة فهذه من كماليات المجتمعات الغربية”.
وينبّه أيوب من انعكاسات “ممارسة التستر على المعلومة”، ويرى أنّ “نتائجها وخيمة ليس فقط على شعب فقد الاتصال بحكومته ولم يعد يثق فيها”، لكنه “يضرّ أيضا بأداء وعمل أجهزة الدولة ككل، حيث أنه في ظل عدم وجود اجراءات عقابية على كل ادارة ترفض منح المعلومة لمن يطلبها، وبالدقة التامة ودون تزوير وتلاعب، كما هو معمول به في الأنظمة الليبرالية الديمقراطية.
ما تقدّم، أشاع – حسب أيوب – “وضعا من (اللاعقاب) و(اللاكفاءة)، فضلا عن عما ينتاب منظومة المال العام في ظل غياب ممارسة التواصل مع الرأي العام عن طريق الصحافة أو عبر البرلمان”.
التكتّم أفرز “استفرادا” فرنسيا
من جهتها، تنتقد الناشطة “فاطمة حمدي” راهن المعلومة الأمنية، وتذهب إلى أنّ “التكتم على كل المعطيات الأمنية، غير سليم، في الوقت الذي وصلت سرعة المعلومة الأمنية في دول العالم إلى أقصاها لإدراك الدول الكبرى أنّ الإعلام الشريك الأول والرئيسي في أي تنمية”، وتعتقد “حمدي” أنّ من محاذير التعاطي الرسمي مع المعلومة الأمنية، “استفراد” فرنسا بكل خبايا الطائرة الجزائرية التي سقطت في النيجر صبيحة 24 جويلية الماضي”.
ويرافع الصحفي “رفيق بحري” لمنح المعلومة الأمنية “التأطير اللازم”، والتوقف عن حالة “الإنكماش المسجّل على مصادر الخبر”، حتى وإن كان واضحا أنّ السلطات ترغب في تسيير المعلومة الأمنية وفقا لإرادتها، ويدخل ذلك في إطار ضبطها إستراتيجية مكافحة الإرهاب، ومراعاة عدم الخروج عن أبجديات المحاربة، في حين ينتقد “بحري” ما يسميه “ضعف التسيير المعلوماتي الأمني في الجزائر، وهو أمر لا يتحمل مسؤوليته الصحفي لوحده، وإنما كافة المتدخلين في قطاع الإتصال”.
رواسب “ثيوقراطية”
يربط د.”حبيب بوخليفة” أستاذ علم الاجتماع الثقافي، وضع المعلومة الأمنية، برواسب “ثيوقراطية”، ويسرح “بوخليفة”: “هناك نوعان من المعلومة الأمنية، الأول جد سرّي ويرتبط بمصير الأمة، والمعلومة العادية التي تبني الروابط الاجتماعية وتحول دون المخاطر، لذا لا ينبغي التفريق بين النوعين، وعدم ترك الجزائريين أسرى لما تحوكه الوكالات والفضائيات الأجنبية”.