الرأي

المفكر وإشكاليته… وحدة السؤال في تعدد المواضيع؟!

ثمة فارق جوهري بين المثقف الموسوعي الذي يتنقل بين حقول المعرفة كفراشة تحط على كل زهرة، وبين المفكر الأصيل الذي يحفر في أرض واحدة حتى يبلغ الماء. الأول يمتلك سعة الاطلاع وغزارة المعلومات، أما الثاني فيمتلك عمق الرؤية ووحدة الإشكالية. وهذا التمييز ليس مجرد تفصيل منهجي، بل هو ما يصنع الفرق بين من يكتب في علم الاجتماع والتربية والفن وبين من يفكر سوسيولوجيًا في كل ما يتناول.
إن المفكر الحقيقي لا يُعرف بكثرة الموضوعات التي يخوض فيها، وإنما بقدرته على إخضاع تلك الموضوعات المتباينة لسؤال واحد يشتغل عليه طوال مساره الفكري. هذا السؤال المركزي هو بمثابة النواة التي تدور حولها كل كتاباته، والمنظار الذي ينظر من خلاله إلى العالم. فحين يتحدث عن التعليم فهو يقاربه من زاوية إشكاليته الخاصة، وحين يكتب عن الفن أو الدين أو الرياضة فإنه يظل أمينًا لذات التساؤل الذي يؤرقه ويحركه.
خذ مثلاً بيار بورديو الذي انشغل بإشكالية إعادة الإنتاج الاجتماعي وآليات الهيمنة الرمزية، تجده حين يتناول المدرسة يكشف عن دورها في تكريس التفاوتات الطبقية تحت قناع الحياد، وحين يدرس الذوق الفني يُظهر كيف يشكل أداة للتمييز الاجتماعي ولإضفاء الشرعية على التراتبية، وحين يحلل اللغة يكشف عن رأس المال الرمزي المخفي في طريقة الكلام. الموضوعات مختلفة، لكن السؤال واحد والمنهج متسق والرؤية متماسكة. هذا هو ما يجعل من تعدد اهتماماته غنىً لا تشتتًا، وعمقًا لا سطحية.
بينما نجد كاتبًا آخر يتحدث اليوم عن الديمقراطية بلغة ليبرالية، وغدًا عن العدالة الاجتماعية بخطاب يساري، وبعد غد عن الهوية بمنطق محافظ، دون أن تربط بين هذه المواقف خيوط فكرية واضحة. هنا لا نكون أمام مفكر بقدر ما نكون أمام متابع للموضات الفكرية، أو جامع للآراء المتداولة. قد يكون ذكيًا وواسع الاطلاع، لكنه لا يملك مشروعًا فكريًا حقيقيًا لأنه لا يملك إشكالية خاصة به.
الإشكالية الفكرية ليست مجرد سؤال عابر يطرحه المفكر ثم يتجاوزه، بل هي هاجس وجودي يلازمه ويعيد صياغته في سياقات مختلفة. إنها تشبه الموسيقى التي يتم عزفها بآلات متنوعة وفي مقامات مختلفة، لكن اللحن الأساسي يبقى قابلاً للتمييز. وهذا ما يفسر لماذا نستطيع أن نتعرف على بصمة مفكر معين في كتاباته حتى لو تناول موضوعات لم يسبق له الخوض فيها، لأن طريقة تفكيره وزاوية نظره تبقى ثابتة نسبيًا.
وهذه الوحدة في الإشكالية لا تعني الانغلاق أو الجمود، بل على العكس تمامًا، فهي تتطور وتتعمق مع الزمن. المفكر لا يكرر نفسه بشكل ببغائي، وإنما يعيد النظر في أسئلته الأساسية من خلال مواجهة تحديات جديدة وقراءة نصوص مختلفة والاحتكاك بواقع متغير. لكن هذا التطور يحدث ضمن إطار معرفي متماسك، مثل شجرة تمد جذورها أعمق وأغصانها أوسع لكنها تبقى نفس الشجرة.
ولعل من أهم ما يميز المفكر صاحب الإشكالية هو قدرته على خلق صلات غير متوقعة بين مجالات تبدو متباعدة. فلأنه ينظر إلى كل شيء من خلال عدسة سؤاله المركزي، يستطيع أن يرى أوجه شبه وعلاقات خفية بين ظواهر لا يلتفت الآخرون إلى ترابطها. من يطرح سؤال رأس المال بأشكاله المتعددة يستطيع أن يربط بين النظام التعليمي والحقل الأدبي والممارسات الدينية، لأنه يرى في جميعها آليات مشتركة لإعادة الإنتاج الاجتماعي والتمييز الرمزي. هذه القدرة على التركيب والربط هي ما يصنع الفكر الأصيل، لأنها لا تنقل المعرفة بل تنتجها.
في المقابل، فإن غياب الإشكالية المركزية يجعل الكتابة مجرد تجميع لأفكار متناثرة، قد تكون كل واحدة منها صحيحة أو ذكية، لكنها لا تشكل مجتمعة بناءً فكريًا متماسكًا. يصبح الناتج أشبه بفسيفساء فقدت التصميم الذي يجمعها، أو بكتاب ضاعت منه الفكرة الموحدة فتحول إلى مجموعة فصول متفرقة.
والحقيقة أن الأكاديمية المعاصرة بتخصصاتها الضيقة قد أسهمت أحيانًا في تشجيع نمط التفكير المجزأ، حيث يُطلب من الباحث أن يكون خبيرًا في حقل محدد جدًا دون أن يُمنح الفسحة أو الشرعية لبناء رؤية شاملة. لكن كبار المفكرين ظلوا دائمًا أولئك الذين استطاعوا تجاوز حدود التخصص الأكاديمي الضيق، ليس بإنكار أهمية التخصص، وإنما بامتلاك سؤال سوسيولوجي أكبر يسمح لهم بتوظيف المعارف المتخصصة في بناء رؤية كلية عن المجتمع وبنياته.
إن المفكر الذي يشتغل على إشكالية واحدة لا يخاف من التكرار بقدر ما يخاف من التشتت. هو يعلم أن العمق يتحقق بالحفر المستمر في نفس البئر لا بحفر عشرات الحُفر الضحلة. ويدرك أن الأصالة الفكرية لا تأتي من القدرة على الكلام في كل شيء، بل من القدرة على أن ترى كل شيء من خلال رؤية متفردة ومتسقة. من يدرس الجامعة والمتحف والصالون الأدبي بنفس المنظور السوسيولوجي، كاشفًا عن الآليات الخفية للسيطرة الرمزية في كل منها، يقدم لنا فهمًا أعمق من عشرات الدراسات المتفرقة التي تتناول كل موضوع بمعزل عن الآخر.
وهكذا يتضح أن المفكر الحقيقي هو من يمتلك الشجاعة الفكرية ليبقى أمينًا لسؤاله الأساسي حتى لو بدا للآخرين أنه يدور في حلقة مفرغة. لأنه في الحقيقة لا يدور بل يصعد في حلزون، يمر بنفس النقطة لكن في مستوى أعلى في كل مرة. وهذا الصعود الحلزوني حول إشكالية مركزية هو ما يصنع الإرث الفكري الحقيقي الذي يبقى بعد أن تُنسى المقالات العابرة والآراء الظرفية.

مقالات ذات صلة