الرأي

المكانة الإقليمية التي ينبغي أن نستعيدها..

محمد سليم قلالة
  • 2753
  • 0
ح.م
وزير الخارجية رمطان لعمامرة

كان لنا دور في العالم ونحن دولة فتية، كُنّا قِبلة الأحرار من “مانديلا” إلى “تشي غيفارا” إلى “أبو عمار” و”أبو إياد”… وفي العقد الثاني من عمر هذه الدولة رفعنا شعارَ “من أجل نظام اقتصادي عالمي جديد”، وقُدنا مجموعة الـ77 التاريخية وحركة عدم الانحياز… وشاركنا بكل فاعلية في نُصرة القضية الفلسطينية سنة 1973 ليس بالبيانات إنما من خلال المشاركة في الحرب بالرجال والمال والعتاد والعدة، وفي العقد الثالث بدأ تراجع مكانتنا الإقليمية ودورنا الدولي، ثم انهار في تسعينيات القرن الماضي حتى أننا لم نعد نُقنع أحدا… ومع بداية القرن الحادي والعشرين أصبحنا أمام ضرورة صوغ استراتيجية جديدة للعب دور جديد وصناعة مكانة تكون في مستوى عمقنا الاستراتيجي وأمجادنا التاريخية… هل نفعل؟ وكيف ينبغي أن نفعل؟

بدون شك، يعرف العالم تلاطمات عدة، ويتجه نحو أنْ يُصبح مُرَكَّبا أكثر من السابق، وتكاد العلاقات الدولية اليوم تعيش أكثر مراحلها صعوبة ودِقّة جراء تداخل التقاطعات الكثيرة التي أصبحت تعرفها، وتداخل العوامل الاقتصادية مع السياسية مع العلمية مع الأمنية مع المئات من المتغيرات الأخرى التي تَصنعها وتَمنع عنها أن تكون ببساطةِ نهاية القرن الماضيوليس من السهولة بمكان لأية دولة اليوم أن تُحدِّد بدقة الدور الذي ينبغي أن تقوم به وتتمكن من احتلال المكانة التي تليق بها، حسابات أكثر الدولة قدرة واستقرارا اليوم بدأت تذهب أدراج الرياح نتيجة تنامي ظواهر جديدة لم يعرفها العالم من قبل، وازدياد دور الأفراد والجماعات المالكة لقدرات عالية على التأثير المادي والمعنوي والأمني في استقرار أو تدهور الأوضاع الدوليةفي ظل هذه التطورات الجدِّية وتداعياتها على الصعيدين الإقليمي والدولي: هل يمكن أن يكون لنا دور؟

أكثر الخيارات الممكنة لدول العالم اليوم في مجال الصراع أو التعاون الدوليين لا تخرج عن خمسة:

ـ إما أن تكون دولة عظمى وتقود مجموعة من الدول بالطريقة التي تريد وتتطلع من ثم إلى قيادة العالم.

ـ أو أن تعيش مع مجموعة واحدة من الحلفاء تقوى بقوتهم وتضعف بضعفهم ويكون ذلك في نطاق اتفاقيات أو معاهدات دولية أو تعاون استراتيجي على كافة المستويات، وهنا تُصبح جزءا من منظومة متكاملة لا تستطيع إلا أن تقبل بخياراتها.

ـ أو أن تسعى لربط علاقة مع أكثر من حليف أو مجموعة من الحلفاء في آن واحد وفي هذه الحالة كما قد تربحهم جميعا يمكن أن تخسرهم جميعا وتدفع الثمن بمفردها.

ـ أو أن تسعى لأن تنشئ وتقود مجموعة من الحلفاء وتتصرف كقوة إقليمية قادرة على الدفاع عن نفسها والتطلع إلى لعب دور بين أمم العالم.

ـ أو أن تكون بلا موقف تماما تتقاذفها الأمم شرقا وغربا وتنتظر اللحظة التي تُعيد فيها صوغ موقفها أو معرفة الانهيار والتفكك الذي قد يُلغيها تماما من الوجود.

  هذه الخيارات الخمسة يمكنها في حدود معينة أن تكون إطارا لتفسير موقف أو تحديد مكانة أية دولة في العالم، فالولايات المتحدة الأمريكية هي وحدها التي بإمكانها اليوم أن تَدّعي القدرة على أن تكون في مستوى الخيار الأول مع الكثير من المؤشرات الدالة على أنها قد تفقد هذه القدرة في العقود القادمة، ويمكن إدراج الاتحاد الأوروبي ومجموعة الحلف الأطلسي ضمن الخيار الثاني باعتبار أن أية دولة من دول هذه المجموعة غير قادرة على التصرف من غير حلفائها وليس من بين بدائلها أن تخرج عنهمويمكن أن تكون فرنسا وألمانيا مثلين بالنسبة للاتحاد الأوروبي، وتركيا بالنسبة للحلف الأطلسي.

أما الخيار الثالث فينطبق إلى حد كبير على الدول التي تسعى على سبيل المثال إلى أن تكون في الجانب الاقتصادي جزءا من المنظومة الرأسمالية وفي الجانب العسكري جزءا من منظومة الدول الشيوعية سابقا، وفي الجانب السياسي والثقافي جزءا من منظومة الشعوب الأفرو ـ آسيوية والإسلامية أحياناوهي حال بعض البلدان العربية والإفريقية التي لديها قدرات ولكنها تفتقد للرؤية وللخيارات الاستراتيجية، وينطبق الخيار الرابع على الدول الصاعدة وبخاصة مجموعة البريكس BRICS (الصين ورسيا والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا) وفي حدود معينة على جمهورية إيران الإسلامية التي تمكنت في حدود معينة من أن تربط علاقات استراتيجية مع هذه المجموعة وتُكوِّن لها حلفاء إقليميين يعتبرون إلى حد ما جزءا منها ـ حزب الله، سورية، العراق، اليمن

أما الخيار الخامس فتمثله الدول الأضعف على الصعيد الدولي، والتي تعرف حروبا أهلية أو نزاعات غير قابلة للحل مثل الصومال وليبيا ما بعد القذافي أو تلك الدول المجهرية على الخارطة التي لا تمتلك مقومات الدولة ويمكنها أن تنهار في أي وقت السودان الجنوبي نموذجا


فأي موقف ينطبق على بلادنا في الوقت الراهن؟

يبدو من خلال عديد المؤشرات أننا أقرب إلى المجموعة الثالثة، حيث أننا مازلنا حقيقة في الجانب العسكري وبنسبة كبيرة أوفياء لتقاليدنا ما بعد الاستقلال، حيث كانت منظومة دفاعنا في غالبيتها سوفياتية، ولم تتحوّل بتغير هذا البلد إلى روسيا الحالية، أما في الجانب الاقتصادي فقد قمنا بتغيير التوجه تماما من الاشتراكية القائمة على التخطيط والملكية العامة لوسائل الانتاج إلى الرأسمالية وأحيانا المتوحشة منها مع الحفاظ على بعض التقاليد الاشتراكية في مجال دعم بعض السلع واحتكار الموارد الطبيعية من قبل الدولة، ولعل هذه الإزدواجية هي التي منعتنا في حدود كبيرة من أن يبقى لنا دور سياسي على الصعيد الدولي، ومن أن تكون لنا مبادرات قيادية مثل تلك التي كانت في السبعينيات إلى درجة أن أصبحت علاقتنا مع مجموعة الدول الآفرو ـ آسيوية ودول أمريكا اللاتينية التي كانت بتنوعها وانتشارها في القارات الثلاث سندا لنا، أصبحت علاقات محكومة بالحد الأدنى من المعاملات التجارية أو الأعراف الدبلوماسية.

وهكذا وجدنا أنفسنا بعد تخطي حقبة التسعينيات الصعبة في بداية هذا القرن، ضمن وضعية تكاد تكون فريدة من نوعها من خلال الصعوبات الاستراتيجية التي تُشكِّلها لنا من أجل لعب دور حقيقي في الساحة الدولية ولِمَ لا استعادة مكانتنا الإقليمية السابقة بالنظر إلى الإمكانيات الحاضرة والمستقبلية التي تزخر بها بلادنا، وليس أمامنا اليوم سوى بديلين: إما أن نتجه نحو الخيار الرابع ونلتحق بمجموعةالبريكسأو بنموذج الدولة الإقليمية التي تنشئ من حلوها قطبا ثلاثيا أو رباعيا، أو أن نتجه في حالة عدم صوغ استراتيجية حقيقية للمستقبل نابعة عن رؤية بعيدة المدى إلى أن ننحدر إلى الخيار الخامس بأسوإ تداعياته، وذلك ما ينبغي أن نَمنع حدوثه مهما كانت التضحياتلأننا كُنَّا أصحابَ دور ومكانة وينبغي أن نستعيدهما

——

ليس أمامنا اليوم سوى بديلينإما أن نتجه نحو الخيار الرابع ونلتحق بمجموعة “البريكس” او بنموذج الدولة الإقليمية التي تنشئ من حولها قطبا ثلاثيا أو رباعيا، أو أن نتجه، في حالة عدم صوغ استراتيجية حقيقية للمستقبل نابعة عن رؤية بعيدة المدى، إلى أن ننحدر إلى الخيار الخامس بأسوإ تداعياته.

مقالات ذات صلة