المواطنة الرقمية.. كدمة بنكهة حداثية
لم يكن سكان العالم منذ ثلاثة أو أربعة عقود، يتصورون تلك القفزة النوعية للاتصالات، فأقصى ما كان يتنبّأ به المواطن في مختلف جهات المعمورة، هو التمكن من الاتصال بقريب له من دون عناء في بلد بعيد عن موطنه الأصلي، لكن البحوث العلمية تجاوزت ذلك الحلم البسيط وتعدّته إلى ما يفوق الخيال.. إنّه عالم ما بعد الحقيقة أو ” النانو تكنولوجيا”.
لم يكن أحدٌ يدرك حقيقة تلك القفزة الرقمية ومآلاتها، في ظل التحولات الاقتصادية الكبرى والتغيرات الجيو – سياسية التي تشهد حركية غير معهودة، شكّلت هوسا للمعمورة قاطبة، في ظلّ الحروب الحديثة القائمة على الهجمات السيبرانية (حروب الجيل الخامس) والتي لم تعُد تعير أدنى اهتمام للقيم والمعايير الأخلاقية بشكل عامّ.
فضاء رقمي تتعدد فيه الهويات وتتداخل فيه القيم..
مسألة القيم عادت لتطفو على سطح الظهيرة وتفتح مجال الجدال واسعا أمام الخبراء وفقهاء الاتصال، حول مكانتها في عصر ما بعد الحقيقة. مسألة ليست بالهيّنة إذا ما أسقطناها على الواقع المعيش للأمم، لقد تباينت الأفكار وغدت شبه عقيمة من حيث محتواها، بخاصة لمّا يتعلّق الأمر بالقيم.
لقد تمحورت النقاشات في السنوات الأخيرة بين خبراء التكنولوجيا من دعاة “نحو عالم رقمي” ودعاة الأصالة، حول كيفية استعمال الفضاء الرقمي واستغلاله خدمة للمدنية المعاصرة، لكن الصدام القائم بين الفكرتين تجلّى في موضع القيم بداخل الفضاء الأزرق، فالتكنولوجيون يرون أنّ العالم يتحوّل وكذلك الإنسان عليه مسايرة هذا التحوّل، فيما يرى الطرف الآخر أنّ السرعة الكبيرة التي يسير بها التقدم التكنولوجي أصبح باعثا على الخوف من اندثار القيم الأخلاقية بشكل خاص أمام الثورة الرقمية التي قلّبت المعمورة رأسا على عقب، ليتأكّد لهم عدم اكتراث كلّ ما هو حداثي بالقيم، فبحسبهم يشكّل مرتادو الفضاء الرقمي من دون هويات ( غالبا يستعملون هويات مستعارة) خطرا محدقا على القيم الأخلاقية في المجتمعات المحافظة، فالزيف في هذا المجال ستكون نتائجه وخيمة على مستقبل البشرية، التي بدأت فيها القيم الأخلاقية تتلاشى شيئا فشيئا أمام الزحف الرقمي، فلم يعد هناك أدنى اعتبار للقيم في ظل تنامي الحسابات الوهمية.
لقد شاع بين الناس ما مفاده أنّ الأمية الرقمية قد بدأت في التفّشي بفعل جهل العامّة لما يدور في الفضاء الأزرق.. أكيد أنّ أصحاب هذا الكلام لم تتضح لهم الأمور بشكل جدّي بعد، فهم لم يدركوا مآلات الإدمان الرقمي، الذي أصبح يشكّل خطرا حقيقيا على بني البشر في ظلّ غياب أدوات الضبط والتشريع المصاحب لها، ففي اعتقاد أصحاب هذه الفكرة، يعتبر الأمي الرقمي كلّ من استعمل المنطق العقلي في التحلي، كيف لا وهم ينزعون لفكرة “الكل رقمي” من دون وضع أسس أخلاقية تضبط الاستخدام بداخل الشبكة العنكبوتية.
الإستخدام السّيئ للوسائل التكنولوجية الحديثة.. بيت القصيد
الواقع أثبت أنّ سوء استخدام التكنولوجيات الحديثة وعلى رأسها عالم الواب، سيؤدي لا محالة إلى تفكك المجتمعات وعلى رأسها الأسر، فضلا على انهيار القيم وضرب الأخلاق في الصميم وتراجع مستوى الحسّ الواعي بداخل الكيان البشري عموما.
هي إذن مؤشّراتٌ تبعث على الخوف من المستقبل المجهول لشباب أصبح لا يؤمن بالواقع، بل اتخذ من الشبكة العنكبوتية بيتًا له، ليسكن بين جدرانها وينزوي بها مبتعدا عن العالم الحقيقي، ويدخل باب الإدمان الرقمي.
يشكّل مرتادو الفضاء الرقمي من دون هويات ( غالبا يستعملون هويات مستعارة) خطرا محدقا على القيم الأخلاقية في المجتمعات المحافظة، فالزيف في هذا المجال ستكون نتائجه وخيمة على مستقبل البشرية، التي بدأت فيها القيم الأخلاقية تتلاشى شيئا فشيئا أمام الزحف الرقمي، فلم يعد هناك أدنى اعتبار للقيم في ظل تنامي الحسابات الوهمية.
إنّ النزعة الحداثية، التي تبناّها شباب اليوم من دون حيطة أو احتراز، هي في جوهرها النزعة ذاتها التي ستقضي على المعايير الأخلاقية البشرية يوما ما باتجاه مستقبل مجهول وغير محمود العواقب، فمن البديهي الاعتقاد بأنّ روح العصر تفرض علينا التجاوب مع كلّ ما هو جديد، لكن بالمقابل لا يمكننا أن نغفل عن حقيقة مردّها علمي بحت وقوامه عدم الارتماء في أحضان كلّ جديد من دون تمحيص أو عقلنة، فالعالم الرقمي، وإن كان قد ساهم في حلّ الكثير من المعضلات،التي كانت البشرية تعاني منها، فإنّه بخلاف ذلك قد ساهم أيضا في تفكك الأسرة وتفشّي أمراض جديدة مرتبطة بعالم الواب وكذا مساهمته في خلق معالم لا تمتّ بأدنى صلة للمعايير الإنسانية المتعارف عليها، ومنه نستخلص أهمية ترشيد هذا الفضاء الرقمي وتهذيب محتواه وضبط معالمه، تفاديا لأيّ منعرج قد لا تحمد عقباه مستقبلا.