المُسنّون.. ذاكرة حية بحاجة للتدوين
تواجه فئة المسنين في منطقة القبائل وعلى غرار باقي مناطق الوطن، تهميشا ولا مبالاة جعلت منهم عالة على المجتمع، بدل اعتبارهم إحدى ركائزه الهامة والأساسية التي يجب استغلال تواجدها لأخر نفس من حياة هؤلاء، حيث يعتبر رحيل كل واحد فيهم، اندثار مكتبة ومخزون فكري وثقافي كامل، لم تعرف أجيال اليوم استغلاله، باعتبارهم آخر شهود العيان على الكثير من الحقائق التاريخية والحقبة الاستعمارية، كما يعتبرون من “بقايا” الزمن الجميل وعهد العادات والتقاليد التي بدأت تندثر مع السنوات، وتوجب الحفاظ عليها عبر تدوينها وإبقائها على الأقل حبرا على ورق للأجيال القادمة، بعدما أصبح الكثير منها يذكر بصيغة الماضي ولا يعاش في الحاضر وسيغيب نهائيا في المستقبل.
هذه الفئة التي بدا وجودها يتناقص في القرى ووسط العائلات، تظهر مكانتها جليا في مناسبات معينة ومواقف كثيرة كانوا فيها السند والحصن المنيع، إلا أنهم هٌمشوا في سنواتهم الأخيرة، وحولتهم الحياة العصرية إلى أفراد، وجودهم ينغص حياة أبناء كثيرا ما فرقتهم خلافات العناية بالوالدين، في حين كان وجود مسن وكبير في العائلة من الأمور القيمة لدى أسلافنا، والتواجد بقربهم أو الحديث معهم يعد شرفا وفرصة لا تعوض.
وتوجب اليوم بحسب الكثير من المختصين، إعادة الاعتبار لهؤلاء فلا غرف دور المسنين تليق بهم ولا الزوايا المهمشة لبيوت الأبناء جديرة بدفن شخصيات بثقلهم، فكل واحد يحمل في طياته تفاصيل الزمن الجميل الذي عايشوه رغم متاعب ونقائص لم تقض على مقومات المجتمعات التي كان فيها للاحترام والثبات مكانة لا يستهان بها.
مسنون يقاومون للحفاظ على التقاليد والأصالة
المتجول في قرى منطقة القبائل يصادف عشرات المسنين قابعين في زواياها، يتسامرون ويحاكون بعضهم، يحيون ذكرياتهم دون أن يوليهم جيل اليوم أدنى اهتمام، وهو ما شكل انسلاخا خطيرا عن الهوية والتقاليد التي تعتبر بالية لديهم إلا أنها تمثل في حقيقة الأمر إحدى مقومات المجتمع وجوانب الهوية الراسخة.
عدة مشايخ ومسنين ممن التقيناهم خلال خرجاتنا الميدانية بولاية تيزي وزو، يعبرون بأسى عن التدهور والانحلال الذي بلغه المجتمع الجزائري، بعدما تبنى جيل اليوم ما سموه بالعصرنة على حساب كل مقومات هويتهم، التنصل من العادات والتخلي عن التقاليد لتبني ثقافة غير ثقافتنا، سينتهي بنا للزوال، ثقافتنا وأصالتنا العريقة لا يليق بها سوى الاستمرار، لأنها تمثل تماسك المجتمع واستمراره والتخلي عنها يسير بنا نحو الهاوية.
ومن بين الأدوار الأساسية التي كانت تسند لأغلبية الشيوخ وكبار السن في المجتمع القبائلي نجد نظام تاجماعث الذي كان وعلى مر السنين وتداول مختلف الجنسيات على استعمار الوطن، قائما يحافظ على خصوصيته وثوابته، حيث كان بمثابة برلمان مصغر لا يكسر احد ما يحدده لتسيير الحياة اليومية، وكل من يحاول ذلك ينفى او يخطّى، الأمر الذي تم التخلي عنه تدريجيا خصوصا في المدن والتجمعات السكنية الحديثة التي قضت بعصرنتها على كل ما هو اصيل.
فلا محركات البحث ولا الشبكة العنكبوتية من شأنها تعويض ما يحمله كبار السن الذين كانوا جانبا من ذاكرة جماعية، وأطرافا عايشت مراحل وفترات متعددة من تاريخنا ومجتمعاتنا.
ويتجلى الأثر السلبي لإزاحة هذه الفئة من الحياة اليومية في مختلف جوانبها، في رداءة كل ما نعيشه اليوم، والانحلال الذي بلغه المجتمع، حيث تعلم الأشخاص الكتابة والقراءة وحملوا الشهادات الجامعية، دون ارفاقها بمقومات الهوية التي تعتبر أساس الاستمرار، فكثرة الجرائم، القتل السرقة، الاحتيال، النصب، لم يكن لها وجود حين كان لكبار السن كلمة لا تكسر وهيبة لا تهزم ومكانة لا يستهان بها. فالمجتمعات التي لا تحافظ على ماضيها، لا يمكنها بناء مستقبل قوي، فيكون كل ما تحاول صنعه هو بناء دون أساس، لن يصمد أمام أولى رياح تعصف به- يقول أحد المجاهدين الذي قابلناه في قرية اسي يوسف.
كنز من التراث والمعارف يجب استغلاله
وإلى جانب ما يحمله المسنون من معرفة غزيرة عن العادات والتقاليد والقيم التي شكلت ولقرون عدة مجتمعا صمد امام كل التهديدات، يحملون أيضا جانبا حيا من ذاكرة جماعية عايشوا خلالها أهم المحطات التاريخية للوطن وهي الثورة التحريرية وحتى ما سبقها، حيث يعتبرون شهود عيان على بطش المستعمر والحقائق الحية التي يتطلب الوضع توثيقها، بالتنقل لدى هؤلاء وتوثيق شهاداتهم الثقافية منها والتاريخية، بدل تهميشهم وجعلهم “إغراضا” بالية تنتظر رحيلها.
حيث تجهل أجيال اليوم، الكثير عن تقاليدها وعاداتها الأصيلة، التي وان حاولت العودة إليها لن تجدها سوى في ذاكرة المسنين، فلا وجود لها في الكتب ولا محركات البحث، ورغم وجود بعض الكتب التي دونها أبناء المنطقة، إلا أن تنوع العادات واختلافها من جهة لأخرى، أصبحت تتطلب اليوم جهدا وعملا خاصا لتدوين كل هذا التنوع الذي يصنع تراثا توجب علينا الحفاظ عليه للأجيال القادمة.