النقطة الفاصلة في الحصيلة
كما كان قد تعهّد سابقا وأوفى، قدّم رئيس الجمهورية، الأحد، أمام غرفتي البرلمان حصيلة عهدته الأولى في شكل خطاب للشعب: تقليد سياسي جديد، فرضه على نفسه كما فرضه على غيره من المسؤولين في كل القطاعات، عبر تقديم حصيلة أعمالهم في نهاية كل فترة انتداب أو مأمورية أو حوكمة أو إدارية، كما هو جار به العمل في الإدارات العمومية وحتى الخاصة، نهاية كل سنة عملية.
هذا التقليد الجديد، يضاف إلى تلك السلسلة من التقاليد، التي لم تعد، ولا يجب، أن تبقى حبيسة “التقليد” الاحتفالي أو الاستعراضي، بقدر ما يجب أن تُفهم على أنها عرض لعمل “مكلف بمهمة” ولو كان رئيس الجمهورية، أمام ممثلي الشعب والشعب عامة، كون الشعب هو من انتخب الرئيس، وإلى الشعب يجب تقديم كشوف عهدته بإنجازاتها ونجاحاتها وإخفاقاتها.
النقطة الفاصلة في الحصيلة، كانت إعلانه الثاني، بعد إعلانه الأول يوم التنصيب للعهدة الثانية قبل نحو شهرين: الشروع قريبا في حوار وطني سياسي يشمل الجميع في جوّ بعيد عن الغوغائية والمساومة. يعني هذا، أنه، وكما وعد سلفا، سيشرع في تنظيم إما جلسات أو لقاءات أو كليهما معا، مع أهم الأحزاب السياسية الفاعلة والقوى الحية في البلاد، ضمانا لمشاركة سياسية للجميع بما يخدم مصلحة التنمية الجزائرية المستدامة والاستقرار الدائم وترابط النسيج الاجتماعي والسياسي الوطني، الغيور على بلاده ووحدة ترابها وشعبها وديمومة مسارها التنموي في ظل الاستقرار والتحدي لتجاوز الصعاب. وعليه، يُتوقع أن نرى ديناميكية جديدة قريبا في الحقل السياسي الحزبي، وقد نرى أيضا تعديلا في عدة قوانين منها قانون الأحزاب والجمعيات، بما يتكيف مع الواقع الجديد وآفاق الجزائر الجديدة التي لا تستثني أحدا، إلا من أبى.
كان ذلك نقطة حاسمة في خطاب رئيس الجمهورية، بما يعني البدء في مرحلة جديدة، بعد عهدة تأسيسية للمنظومة السياسية والاقتصادية، بعيدا عن الضوضاء والغوغائية والجدل البيزنطي، الذي يعيق ويفرمل العجلات ولا يدفع إلى التقدُّم. لعل هذا هو منطق ما يسمى “التصحُّر” السياسي والإعلامي والحزبي عندنا منذ فترة: فالأحزاب أيضا عليها أن تعي المرحلة الجديدة وتعمل ضمن الأطر القانونية المتجددة على نحو يسمح لها بالمشاركة في التنمية بدءا من الانتخابات المحلية القادمة التي سيُعلن عنها قريبا وستجرى خلال أشهر قليلة. الأحزاب والجمعيات والمجتمع المدني والنخب، عليها من الآن أيضا، أن تجهِّز نفسها للتنافسية السياسية على المجالس المحلية، لاسيما في ظل قانون الجماعات المحلية الجديد الذي سيدخل الخدمة قريبا، بما يفتح المجال أمام المجالس المنتخَبة، للتحلل من كثير من القيود والتعقيدات وتحرُّر الإرادات في الاستثمار المحلي وتحسين شروط حياة المواطن اليومية، التي هي الشغل الشاغل للدولة ولرئيس الجمهورية شخصيًّا.
قانون البلدية والولايات، يعوَّل عليه أن يفتح الطريق أمام انفتاح على التسيير السَّلس وعلى تفكيك كثير من العقد البيروقراطية القديمة في هذا المجال، والتي كانت تكبِّل البلديات وأيادي المنتخبين، لصالح أعوان الدولة ومسؤولي الإدارة.
حصيلة رئيس الجمهورية كانت غنيَّة بالأرقام التفاؤلية، مما يؤكد نيّة الرئيس على المضيِّ في سياق النموذج الاقتصادي التنموي المختار، الذي حقَّق قفزات نوعية في الإنتاج والتصدير والاكتفاء الذاتي في بعض المحاصيل والمنتجات الصناعية وبدء عملية التصدير فيها.
العالم مقبلٌ على فترات صعبة، وعلى الجزائر، من منظور قريب، أن تلج نادي الدول الناشئة، كما أعلن ذلك رئيسُ الجمهورية.. بالأرقام.
هو تحدٍّ كبير، يتطلب متابعة الأحزاب والمجتمع ككل وانخراط الجميع في رفعه.