الوجه الآخر لـ “داعش” في المغرب العربي؟
يرى مراقبون أن التنافس الأمريكي الفرنسي للهيمنة على المغرب العربي دفع بإعلام البلدين إلى نشر معلومات وتقارير غير صحيحة ومتناقضة مع ما يجري بهذه المنطقة من العالم العربي، وكلاهما يشجع على التدخل في ليبيا، فالإعلام الأمريكي يميل إلى أن مصر مؤهلة لقيادة هذا التدخل باعتبار أنها تنتمي إلى المشروع الأمريكي القديم الذي يضمها إلى ما يسمى بـ”المغرب العربي الكبير” بينما يذهب الإعلام الفرنسي إلى أن الجزائر تملك ما يسمح لها بالتدخل تحت تغطية جوية فرنسية خاصة وأن تنظيم “جند الخلافة” تبنى اختطاف رعية فرنسية بتيزي وزو.
لكن الحقيقة هي أن إعلام البلدين يريد تحقيق هدف واحد هو تشجيع أوباما وهولاند على إعادة ترتيب البيت العربي وفق المصالح المشتركة بينهما تحت مبرر محاربة “الارهاب الاسلامي” فهل تغيّر الجزائر موقفها إذا تبين من نتائج التحقيقات التي تجريها وزارة الدفاع حول ملابسات هذا الاختطاف أنه من تنفيذ هذا التنظيم الجديد؟.
من حرب الأيام الأربعة إلى “داعش”؟
لولا تدخل الرئيس الراحل هواري بومدين لأصبحت ليبيا محافظة مصرية بعد حرب الأربعة أيام التي قادها الرئيس الراحل أنور السادات عليها أيام 21، 22، 23 و24 جويلية 1977، ولم تندمل بعد جراح الليبيين منها، ويتوقع مراقبون أن يقود الجنرال عبد الفتاح السيسي حربا أخرى عليها ليضمها إلى مشروعه الجديد للقضاء على الاسلاميين، فالاتفاقية السرية التي وقعتها وزارة الدفاع المصرية مع حكومة طبرق يوم 04 سبتمبر2014 بعد تنصيب البرلمان الليبي الجديد خارج العاصمة والتي رفضها البرلمان المنتهية عهدته تخوّل له ذلك.
إن هذه الاتفاقية التي توصف بـ”سرية جدا” تسمح لمصر بالتدخل لحماية البرلمان الجديد في أي وقت يستنجد بها وهي ملحقة بتفاصيل حول كيفية التدخل الجوي والبري والبحري وتُبقي الباب مفتوحا لطرف ثالث لتوقيعها فهل يقصد به الجزائر؟.
ما أثار الاستغراب في أوساط المراقبين هو أنها جاءت بعد عشرة أيام من اجتماع دول الجوار بالقاهرة يوم 25 أوت 2014 والذي أكد المشاركون فيه على عدم التدخل في الشأن الليبي فهل استغلت مصر هذا الاجتماع لتضليل دول المغرب العربي؟.
كانت تداعيات هذا الاتفاق خطيرة بالنسبة للثوار الأشقاء المتقاتلين في ليبيا فقد حوّل البرلمان المنتهية عهدته الحكومة الانتقالية إلى حكومة “إنقاذ وطني” بمدينة تبرقة يوم 08 سبتمبر 2014 حيث صار في ليبيا برلمانان وحكومتان وتراجعت الوساطة الجزائرية بعد الاتفاق السري ففشلت المصالحة بين المتقاتلين ممّا جعل إسبانيا تدعو إلى عقد اجتماع لمجموعة دول (5+5) بمدريد حاولت مصر وفرنسا أن تمررا من خلاله مشروع التدخل في ليبيا لكنهما فشلتا بسبب إصرار الجزائر على عدم التدخل وتحوّلت قضية ليبيا إلى أروقة الأمم المتحدة، فحظيت الجزائر بدعم أمينها العام للحوار، فهل تقدم فرنسا على انتزاع قرار أممي بالتدخل بعد اختطاف أحد رعاياها في الجزائر؟ وهل يقبل النظام الجزائري المشاركة في هذه الحرب أم يفتح الأجواء للطيران العسكري الفرنسي مثلما فعل مع دولة مالي؟
يقول العارفون بشأن الجماعات الإسلامية المسلحة أنها ستلجأ إلى مبايعة “الخليفة البغدادي القرشي” في الجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا وليبيا مما يعطي للغرب شرعية التدخل في المغرب العربي، فهل تستطيع الجزائر وتونس أن تمنعا هذا التدخل عبر آلياتهما الدبلوماسية وهل تلتحق بهما دول الجوار؟ الاعتقاد السائد عند الملاحظين أن “داعش” ستكون الورقة التي تعزز التدخل الغربي في المغرب العربي إذا لم تبادر أقطاره إلى التنسيق الأمني لمحاصرة من يريدون التلاعب بمصير شعوبه لأنه بإمكان أي عصابة أن تختطف أي رعية أجنبية تحت اسم هذا التنظيم؟
ماذا تريد مصر من الجزائر؟
يشكك الكثير من المراقبين في نجاح التحالف الدولي في حربه ضد “الدواعش” فقد وفر خطأ سياسيا لـ”المليشيات” الحوثية لمحاصرة العاصمة اليمنية وانتزاع ما لم تنتزعه الثورة اليمنية من النظام السابق وهذا يعني أن أمن السعودية ودول الخليج أصبح مهددا من هذه المجموعة التي صنِّفت ضمن التنظيمات الارهابية في بلدانها.
يبدو أن المستفيد الأول من هذه الحرب على داعش هي إيران، فالتشيع المباشر في الفضائيات الموالية لها وشتم الخلفاء الراشدين وعائشة وحفصة يمس بمشاعر المسلمين السنة الذين يتعرضون إلى الاعتداءات الحوثية باليمن ويتلقون الضربات الجوية من التحالف باسم محاربة داعش في العراق.
إذا كان أوباما حقق انتصارا سياسيا بقتله أسامة بن لادن زعيم القاعدة في باكستان وأحمد عيدي غودان زعيم حركة الشباب في مالي فإن الوصول إلى “أبو بكر البغدادي القرشي” سيكون ثمنه ضخما لأنه سيؤدي إلى “صوملة” عديد الأقطار العربية بدءا من العراق وسوريا ومرورا بليبيا واليمن وانتهاء بدول الخليج، فهل بدأ مشروع “الفوضى الخلاقة” الذي خططت له الدول الأوروبية وأمريكا يجني ثماره في الوطن العربي؟
تريد بعض الأقطار العربية تحويل هذا “التحالف” لحل مشاكلها مع مواطنيها، فمصر تريد إدراج “الإخوان المسلمين” في الحرب عبر التدخل في ليبيا واستغلال الشراكة الجزائرية - المصرية لتمويل ذلك، وليس غريبا أن يوضع على طاولة اللجنة المشتركة بين الدولتين ملف الأحداث الرياضية لعام 2009 والمطالبة بتعويضات قالت إنها تقدر بـ 100 مليار (10 ملايين دولار) الخاصة بمكتب الطيران المصري المتواجد بساحة (أودان) والذي كان مغلقا قبل الأحداث الرياضية وتعرض الى التكسير والنهب بعد الاعتداء المصري على الفريق الجزائري، ومكتب آخر في منطقة شعبية وثمن المكتبين يومئذ لا يتجاوز حسب تقدير المختصين الجزائريين 100 ألف دولار فقط فكيف تحوّلت بعد عشية وضحاها إلى 10 ملايير؟
ماذا يريد النظام المصري من الجزائر؟ ولماذا لا يترك التسوية تتم وفق قانون العقار قبل المطالبة بحقه في تعويض الخسائر المادية؟ صحيح أن الجزائر منشغلة وما تزال منشغلة بتوحيد الفصائل المتقاتلة في مالي بالرغم من محاولات بعض الأقطار العربية إفشال هذه المصالحة إلاّ أنها لا تبارك خطوات التدخل في ليبيا، وبالرغم من إصرار مصر على إقحام الجزائر في مشاكلها الداخلية متناسية ما قدمه النظام الجزائري لمصر من تسهيلات للوصول الى الأفارقة وهاهي اليوم تفاجئنا بإصرارها على فتح ملف أحداث الكرة دون خجل وكأنها تريد ابتزاز ”الشراكة الجزائرية _ المصرية” فهل تقبل السلطات الجزائرية فتح هذا الملف “الملغم” بهدف انتزاع موقف ضد أحزاب “الإخوان المسلمين ” في الجزائر. حين تطلب أمريكا من جميع الدول العربية قائمة بأسماء رعاياها المشبوه في انتمائهم إلى تنظيم “داعش” فهذا يعني أن الاستخبارات العربية باتت مصالح تابعة للولايات المتحدة الأمريكية؟، وحين يتزامن مع اليوم العالمي للسلم ويكون بهدف القضاء على ما يسمى بـ “الحرب العالمية الأولى” على “الإسلام المسلّح”، فهذا بداية لحرب لا تنتهي إلاّ بصدام ما بين المسيحية والإسلام؟