-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الوهم العلماني … وأزمة البديل الحضاري!

الوهم العلماني … وأزمة البديل الحضاري!

يعيش العالم اليوم في قلب معركة لا تدور رحاها بالسلاح وحده، بل بالرؤى والمعاني التي تشكل وعي الشعوب وتحدد مساراتها التاريخية. والحقيقة التي يتجاهلها كثيرون أن الصراع الجاري ليس صراعاً سياسياً أو اقتصادياً بالمعنى الضيق، وإنما هو في جوهره صراع على الشرعية التاريخية، على من يملك الحق في تفسير الماضي وتشكيل المستقبل، على من تكون له السلطة الرمزية لتحديد معنى الوجود الإنساني ذاته.

المفارقة الكبرى أن العالم الذي يدعي الحداثة والعقلانية مازال يتحرك وفق محركات دينية عميقة، لكنها متخفية تحت عباءات علمانية براقة. الغرب الذي صدّر لنا فكرة فصل الدين عن الدولة، لم يفصل أبداً رؤيته الدينية عن مشروعه الحضاري. الصهيونية نموذج صارخ لهذا التناقض، حيث تقوم دولة على أساطير توراتية ووعود إلهية مزعومة، بينما تتمتع بدعم لا محدود من قوى علمانية تدعي العقلانية. المشروع الأميركي نفسه مشبع بالرؤية المسيحية الإنجيلية عن المصير الظاهر والأمة المختارة، والليبرالية الغربية في جوهرها امتداد لقيم بروتستانتية علمنت نفسها دون أن تتخلى عن بنيتها العميقة.

حين يطالبنا البعض بإزاحة الإسلام من الفضاء العام، وفصل الدين عن الدولة، وإبعاد العلماء عن السياسة، فإنهم يطرحون سؤالاً مشروعاً لكن إجابتهم عليه فارغة ومفلسة. السؤال الحقيقي ليس هل نزيح الإسلام، بل بماذا نستبدله؟ ما هي الرؤية الكونية البديلة التي ستملأ الفراغ الوجودي والمعنوي؟ ما هو المشروع الحضاري الذي سيعبئ الجماهير ويمنحها هوية وغاية ومساراً تاريخياً؟

الإفلاس الفلسفي والفكري للعالم المعاصر يتجلى بوضوح في عجزه عن تقديم إجابات على الأسئلة الكبرى. العلمانية التي يتغنى بها البعض ليست فلسفة قائمة بذاتها، بل هي في أحسن أحوالها إطار إجرائي لتنظيم العلاقة بين المؤسسات، لكنها لا تقدم رؤية للحياة ولا معنى للوجود ولا غاية للتاريخ. اللائكية الفرنسية نفسها، التي يُضرب بها المثل، نشأت في سياق صراع ضد الكنيسة الكاثوليكية لكنها حملت في جوهرها قيماً مسيحية علمنت، ولم تكن أبداً محايدة فلسفياً أو روحياً.

الخدعة الكبرى هي تصوير العلمانية على أنها موقف محايد من الدين، بينما هي في الواقع موقف ديني مضاد، أو بالأحرى دين بديل. حين تُفرغ الحياة العامة من المرجعية الدينية التقليدية، فإن مرجعيات أخرى تحل محلها: القومية، الليبرالية، الماركسية، النزعة الاستهلاكية، عبادة الذات. وكلها في النهاية رؤى شبه دينية تقدم إجابات عن المعنى والغاية، لكنها إجابات مفلسة وعاجزة عن بناء حضارة حقيقية.

والأنكى أن العلمانية التي تُسوّق لنا في العالم الإسلامي هي في جوهرها خدمة لمشاريع دينية وقومية أخرى. حين نُطالب بإزاحة الإسلام من الفضاء العام، فإننا نُفرغ هذا الفضاء لتملأه رؤى أخرى، غالباً ما تكون غربية في أصلها، ومسيحية أو يهودية في جذورها، وإمبريالية في نتائجها. العلمانية العربية في كثير من تجلياتها كانت غطاءً لمشاريع تغريب وإلحاق حضاري، وفي أحيان أخرى كانت أداة لأنظمة استبدادية تستخدمها لقمع الشعوب باسم الحداثة.

الصراع على الشرعية التاريخية يتطلب أكثر من مجرد رفض الحالة القائمة، بل يتطلب رؤية بديلة متماسكة. من يريد أن يزيح الإسلام من الفضاء العام عليه أن يجيب: ما هي الرواية التاريخية البديلة التي ستمنح الأمة هويتها؟ ما هي القيم التي ستؤسس عليها الدولة والمجتمع؟ ما هي الغاية التي ستجمع الناس وتحفزهم للتضحية والبناء؟ ما هو المشروع الحضاري الذي سيجعلهم يشعرون بأنهم جزء من مسار تاريخي أكبر من مجرد استهلاك واستمتاع فردي؟

التاريخ يثبت أن الأمم لا تُبنى بالعقلانية الباردة ولا بالإجراءات الإدارية، بل بالرؤى الكبرى والمشاريع الجامعة والمعاني المتسامية. الحضارات كلها قامت على أساس ديني أو شبه ديني، على رؤية كونية تفسر الوجود وتحدد المصير. محاولة بناء مجتمع دون هذا البعد هي محاولة بناء جسد بلا روح، قد يتحرك لفترة لكنه لن يحيا حقاً.

المطلوب اليوم ليس تقليداً أعمى للإسلام التاريخي ولا رفضاً أعمى له، بل نقد جذري لكل المشاريع المطروحة، بما فيها المشروع العلماني الذي يتظاهر بالحياد وهو في الواقع محمل بأجندات وأيديولوجيات. المطلوب هو بناء رؤية كونية أصيلة تنطلق من الذات الحضارية لكنها تستوعب التحديات المعاصرة، رؤية قادرة على تعبئة الجماهير ومنحها معنى وغاية، رؤية تمتلك الشرعية التاريخية والعمق الروحي والقدرة على المواجهة الحضارية.

الصراع القائم اليوم هو في جوهره صراع بين رؤى كونية، بين مشاريع حضارية، بين تفسيرات للتاريخ والمصير. من يدخل هذا الصراع بأدوات الخصم وبرؤية الخصم قد خسر المعركة قبل أن تبدأ. النصر الحقيقي يتطلب امتلاك رؤية بديلة، فلسفة حية، مشروعاً حضارياً قادراً على كسب الشرعية التاريخية وتحديد معالم الصراع القائم. وهذا ما نفتقده اليوم في خضم التقليد الأعمى لنماذج مستوردة والانبهار بوهم الحياد العلماني الذي لم يكن يوماً حيادياً ولن يكون.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!