اليوم التالي.. للاحتلال
كثيرا ما طرحت تساؤلات عن “اليوم الثاني” لغزة بعد أن تنتهي الحرب، بل إن “مستأجر” البيت الأبيض المنتهي كراؤه، قد ناقش “سلخ الدب حتى قبل اصطياده”، وهذا قبل أكثر من سنة. اليوم، وبعد 471 يوم من الإبادة التي لم يشهد لها العالم الحديث مثيلا، في حق شعب محاصَر منذ 18 سنة، مشرَّد، ولاجئ منذ 76 سنة، على رقعة جغرافية لأصغر بلدية في العالم، يخرج شعب غزة من تحت الأنقاض رافعا أنفه وأصبعي يديه، رمزا للانتصار على أغشم قوة عالمية مسنودة بأعظم قوة عالمية متواطئة، ألا يحق أن “نسلخ الدب بعد صيده” وقد ظهر أن الدب مجرد خنزير بري يعثو فسادا وهو جريح طليق، ويرفض التوقف عن المهاجمة حتى وهو في الأسر؟ ألا يحق أن نتساءل بشكل معاكس: ما هو اليوم الثاني لحكومة الاحتلال الفاشي؟
لقد اتّضح، بما لا مجال فيه للمواربة أو التشكيك، حتى من أتعس مشكك متواطئ ومن يعيش حالة إنكار قهرية لديه، أن عبرة النصر والهزيمة في حالة الحرب غير المتناظرة، لا تقاس بمدى التدمير والتقتيل والإبادة والتشريد، بل بالنهايات والخواتم وما مدى تحقيق الأهداف.. المعلنة على الأقل.
المقاومة في غزة، وإن فقدت الكثير من عناصرها وقُدراتها، لكنها عرفت كيف تغرف من بحر غزة وحاضنة غزة وتراب غزة، وجنّدت الآلاف وبقيت تعمل فوق الأرض وتحتها، وعلى مشارف الحدود الواهية والسياج الفاصل، حتى في الشمال المدمَّر عن بكرة أبيه، وإلى غاية الساعات الأخيرة من وقف الإبادة.
انتصارُ غزة، يتجسد في الحرقة التي أصابت اليمين المتطرف وكيان المغتصبات، وهم يشاهدون شعبا يخرج من تحت الرماد يرفع إشارات النصر ويلتحم مع مقاومته، التي راهن الكيان ومن معه في الخندق وفي الفندق، على أن تنفض الحاضنة الشعبية يديها منها، متناسين أنَّ المقاومة هي من رحم شعب غزة، وأن حماس هي غزة، ترابا وماء وهواء.
أمام تلك الصورة المفزِعة للكيان وعملائه والمطبِّعين المنبطحين، لا يمكن الحديث عن تساؤل في غير محله: ماذا بعد حماس؟ لأن حماس ستبقى هي غزة حتى ولو لم تكن في السلطة. حماس، لا تبحث عن السلطة إلا بما يجسِّد طموحات سكان غزة وفلسطين بشكل عامّ، وإلا لما أدارت الأمور السياسية والإدارية باقتدار طيلة سنوات، وهي مستعدّة لتقاسم الأدوار مع الفصائل والعشائر الوطنية في الداخل، من أجل الإعمار، وهي باقية وتتمدّد ولا أحد يستطيع أن يطرح السؤال الأكثر تفاهة: ماذا بعد اليوم الثاني في غزة؟ بل السؤال الأكثر وجاهة اليوم، هو “ما هو اليوم التالي لحكومة الكيان؟
اليوم التالي، في هذا الكيان الوظيفي، قد بدأ مع خروج العنقاء من تحت رماد غزة، ومع خروج مزوِّد الآلة الحربية على سكان غزة من البيت الأبيض، ومع دخول الوافد الجديد/ القديم ليسيّر في أربع سنوات أمور العالم والمنطقة بما يراه ويحلم به: “أمريكا أوَّلا”، “أمريكا عظيمة من جديد”، وهي الشعارات التي يحلو له ولحملاته أن يكرّرها كل دورة انتخابية رئاسية.
اليوم الموالي لدولة الاحتلال، ستتحدد على مراحل: مراحل تحقيق وقف الحرب بعد تحقيق وقف إطلاق النار، لأن إطلاق النار سيبدأ داخل الكيان، إذ ستنكشف الأمور وتبدأ الصراعات الداخلية وتساقط أوراق التوت، ووزراء الحكومة اليمينية المتطرِّفة، لنرى رئيس السَّحرة ينقلب عليه السِّحر من الداخل، ولن يرحمه حتى ترمب نفسه. ترمب الذي أتى ليحارب على جبهات أخرى، أكثر قوة ومنفعة له: في الصين وفي غرينلاند، لا في بيت مأجور عنده، من الدرجة الثانية.