-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

انشغلنا بدُنيا أبنائنا عن دينهم!

سلطان بركاني
  • 818
  • 0
انشغلنا بدُنيا أبنائنا عن دينهم!

انتهت أغلب الامتحانات المدرسية، ولم يبق منها إلا امتحان شهادة البيام وامتحان البكالوريا، وبدأت العطلة الصيفية التي ينتظرها أبناؤنا على أحرّ من الجمر، وفي أذهانهم صور الشّواطئ والمنتزهات والملاعب.. رأينا كيف كان فرح أبنائنا بالعطلة إلى الحدّ الذي جعل بعضهم يمزّقون كراريسهم ويرمون بها في الشّوارع، ورأينا في بعض المدارس مظاهر وصورا مؤلمة لتلاميذ وطلبة يحطّمون طاولات الأقسام الدراسية وكراسيها.. ربّما تبدو تلك الصّور عادية عند بعضنا ولا تدلّ إلا على الملل من الدّراسة، بسبب تدنّي مستوى التعليم، ولكنّها في الحقيقة تدلّ من جانب آخر على الانحدار الأخلاقيّ الذي وصل إليه كثير من أبنائنا!

أبناؤنا الطّلبة والتلاميذ يلبسون الألبسة المزرية المقطّعة، ويحلقون رؤوسهم بقصات غريبة عجيبة، وتلفظ ألسنتهم ساقط الكلام، ويسبّون معلّميهم وأساتذتهم، ويؤذون زميلاتهم، فكيف بأبنائنا الذين تركوا مقاعد الدّراسة ليتربّوا في الشّوارع وفي سهرات الأعراس وعلى الشّواطئ وفي الزّوايا والأوكار المظلمة؟ كيف بأبنائنا الذين يتعاطون الخمور والمخدّرات ويعكفون على أوساخ الإنترنت ويسهرون خارج البيوت إلى ما بعد منتصف اللّيل؟ لا صلاة ولا قرآن، بل تسكّع ومخدّرات وشهوات وكلام فاحش وسبّ لله الواحد الديّان!

الرزية الكبرى أنّ كثيرا من أبنائنا التلاميذ والطّلبة يلتحقون بأبناء الشّوارع في عطلة الصّيف، فيتعلّمون منهم الفساد وتعاطي المخدّرات والإبحار مع الشّهوات في الإنترنت، ونحن غافلون نائمون إلا من رحم الله منّا.. بدل أن نفكّر في الأخذ بأيدي أبنائنا وبناتنا إلى حلق حفظ القرآن وإلى المساجد، نلقي لهم الحبل على الغارب ونتركهم للشّوارع والمقاهي والزّوايا والأوكار المظلمة، ولرفقاء السّوء وشلل الفساد.. حتّى إذا قارف بعضهم الكبائر والمنكرات ووقع من يقع منهم في تعاطي الخمور والمخدّرات، قلنا أنّى هذا: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾.

إنّ الحال التي نرى عليها كثيرا من الأبناء وكثيرا من الشّباب، يفترض أن تتقطّع لها القلوب وتذرَف لها الدّموع.. إنّهم -في الغالب- ضحايا إهمالنا وتسيّبنا وغفلتنا.. ووالله إنّ الحصاد لمرّ مرير في الدّنيا والآخرة.. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.. “ما من عبدٍ يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاشٌ لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة”.. لا حول ولا قوة إلا بالله.. أب مسلم يصلّي ويصوم ويحجّ ويعتمر ويتصدّق، لكنّه يحرم دخول الجنّة، لأنّه ضيّع أهله وأبناءه.

إنّ من أعظم الغشّ أن يحرص الأب على كسوة أبنائه وإطعامهم ومداواة أجسادهم إذا سقمت، ويهتمّ بدراستهم ونتائجهم وبكشوف نقاطهم، لكنّه لا يهتمّ أبدا بصلاتهم وعلاقتهم بالقرآن، ولا بأخلاقهم!

حالة من الاهتمام والترقّب والانتظار لا نظير لها تسود البيوت هذه الأيام.. الكلّ يسأل عن كشوف نقاط أبنائه ويتحدّث مع الأساتذة والمعلّمين، أمّا الأسر التي يوجد بين أفرادها أبناء ينتظر لهم أن يجازوا امتحان شهادة التعليم المتوسّط أو امتحان البكالوريا، فإنّ حالة الاستنفار قد أعلنت، فمُنع التلفاز واللّعب والإزعاج، ووفرت الأجواء المناسبة ورصدت كلّ وسائل التشجيع.. وهذا جيّد ومحمود، ونحن من واجبنا أن نتمنّى النّجاح لكلّ أبنائنا.. لكن هذا اهتمامنا بدنيا أبنائنا، فماذا عن دينهم؟ ماذا عن آخرتنا وآخرتهم؟ ماذا عن صلاتهم؟ ماذا عن أخلاقهم؟ ماذا عن علاقتهم بالقرآن؟

نهتمّ وننفق ونسهر ونتابع ونسأل عندما يتعلّق الأمر بالدّنيا، لكن عندما يتعلّق الأمر بالدّين، كأنّنا غير معنيين، وأحسننا حالا من يتنهّد ويقول: ما قدرناش! ربّي يهدي أولادنا! لكن، لماذا لا نتعب؟ لماذا لا نتابع؟ لماذا لا ننصح؟ لماذا لا نسأل؟

نجتهد في إلحاق أبنائنا بالمدارس التحضيرية في سنّ مبكّرة، وما أن يبلغوا السنة الخامسة الابتدائية حتّى نبحث لهم عن معلّمين وأساتذة أكْفاء للدّروس الخاصّة في الموادّ الأساسية، وهكذا حتى يجتازوا امتحان البكالوريا.. وننسى أنّ الله أمرنا بأن نرغّبهم في الصّلاة وهم أبناء سبع ونضربهم عليها وهم أبناء عشر، وأمرنا بأن نعلّمهم الأخلاق الحسنة ونحول بينهم وبين الأخلاق السيّئة، ونأخذ بأيديهم إلى المساجد والمدارس القرآنية، ونوجّههم في اختيار أصدقائهم وزملائهم، ونراقبهم وهم يدخلون إلى الإنترنت.. لكن مع كلّ أسف قليل منّا يحرصون على هذا! همّنا الأكبر لا يتجاوز الدّنيا.

إنّها لمحنة عظيمة ومفارقة عجيبة؛ حين يتعب الرّجل مع تكاليف الزّواج، وقبله في بناء البيت، ثمّ يتعب مع ولده من حين ولادته؛ ماذا يأكل؟ وماذا يلبس؟ ويحرص على أخذه إلى الطبيب إذا مرض، ثمّ بعد ذلك إذا أصبح الولد مميّزا رمى به إلى الشارع ليتلقّفه رفقاء السّوء، وفتح له أبواب الإنترنت على مصاريعها ليسبح في بحار الشّهوات والعبث والضّياع.

إنّها لمشكلة عظيمة، أن يتربّى الكلاب وتتربّى القطط في البيوت، بينما يتربّى أبناؤنا في الشّوارع.. مشكلة أن يهتمّ مسلم بأشجار ونباتات حديقته، ويضيّع أبناءه! يقلّم الأشجار ويقطع الأغصان الزّائدة حتّى تقوى الجذوع، لكنّه لا يمنع وسائل الفساد عن أبنائه ولا بناته.. يحرص نباتات حديقته ويتعاهدها حتى لا تفسدها الحشرات والأطفال المشاغبون، لكنّه لا يحرص على أبنائه ولا يحميهم من رفقاء السّوء!

بل إنّ بعض الآباء يربي أبناءه على الأخلاق السيّئة، على السرقة والسطو والظلم والكذب، حتّى يكونوا رجالا وشجعانا بزعمه! تجد الأب يغرس في ابنه الكذب، حينما يطلب إليه أن يكذب على الناس ويقول لهم: أبي غير موجود في البيت! والأب واضع إحدى رجليه على الأخرى في الدّاخل.. ويعلّمه التدخين حينما يرسله ليشتري له السجائر، ثمّ من السجائر ينتقل الابن إلى الخمور والمخدّرات.. أمّا بعض الأمّهات -هدانا الله وإياهنّ- فإنّهنّ يتعمّدن تربية بناتهنّ على الفهلوة وخفّة الظلّ والانفتاح، حتى يكنّ شاطرات بزعمهنّ، ويلبسنهنّ الضيّق والقصير حتّى يكنّ متحضّرات وأنيقات، ويجلسن معهنّ أمام التلفاز لمتابعة مسلسلات تنضح بكلمات ومشاهد الحبّ والغرام والعلاقات خارج إطار الزّواج.. وهكذا حتّى تكبر البنت وهي تكره اللباس الواسع ولا همّ لها إلا أن تعيش الحياة الرومنسية التي رأتها في المسلسلات.. فأيّ جرم هذا الذي يرتكبه الآباء في حقّ أبنائهم، وأيّ خيانة هذه التي تقترفها الأمّهات في حقّ بناتهنّ!

إنّ الأمر جدّ وليس الهزل.. ابناؤنا وبناتنا أمانة عظيمة في أعناقنا، وخيانة هذه الأمانة كبيرة من الكبائر.. كم من أب هو الآن في قبره يعذّب بما يفعل أبناؤه من بعده.. لم يحسن اختيار أمّهم، ولم يهتمّ بتربيتهم، ورحل وتركهم سيّئات جارية خلفه.. يجرّون عليه اللّعنات والدّعوات وهو يعضّ أصابع النّدم على عمره الذي أفناه يكدح ويتعب ويعرق وينصب ليكسوهم ويطعمهم ويعلّمهم.. لكنّه نسي أهمّ واجب أوجبه الله عليه: نسي أن يربّيهم ويؤدّبهم ويحبّب إليهم الصّلاة والمسجد وحفظ القرآن.. علّق قلوبهم بالدّنيا وجعلها أكبر همّهم، فنسوا الله واليوم الآخر، فمنهم من أصبح عبدا للدّنيا لا همّ له إلا المال ولا يهمّه جمَعه من حلال أم من حرام، ومنهم من تعلّق قلبه بالشّهوات وأصبح أسيرا لها، يبيت مع الهاتف يقلّب الصّور السّاقطة ويعبث مع كلّ لاهية غافلة، ويقضي بياض نهاره من شارع إلى شارع ومن زاوية إلى زاوية بين السّموم والكلام الفاحش والتشبّب ببنات المسلمين، حتّى يمسي.. وربّما يموت الأب ويترك بنات عابثات، لا همّ لهنّ إلا منافسة الصّديقات والقريبات في المظاهر، يلبسن الضّيق ويعبثن مع العابثين.. وهذا الأب مع الحسرات التي تقطعه في قبره، ربّما يجتمع بأبنائه يوم القيامة، ليس ليأخذ بأيديهم أو يأخذوا بيده إلى الجنّة، ولكن ليأخذوا بتلابيبه ويقولوا: يا ربّ، سل هذا لمَ لمْ يربّنا؟ لم لم يأمرنا بالصّلاة؟ لم لم ينهنا عن الفواحش والمنكرات؟ ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

كم من أب هو الآن لا يزال بين أهل الدّنيا، يقلّب كفّيه على أبنائه الذين أهمل تربيتهم حتّى خرجوا من طوعه وصاروا لا يسمعون له كلاما ولا يعيرونه اهتماما، بل لا يشعرون بوجوده.. أينما يوجّههم لا يأتون له بخير.. صاروا وبالا عليه في الدّنيا، وربّما يكونون وبالا عليه في الآخرة.. يجلس في بيته واللعنات تلحقه من جيرانه وأقاربه والنّاس من حوله، بسبب شقوة أبنائه وطيشهم واعتدائهم.. يؤذون النّاس في بيوتهم وفي طرقهم وشوارعهم.. لا يرحمون صغيرا ولا يحترمون كبيرا، ولا يعرفون حلالا من حرام.. يسبّون الله جلّ في علاه، وتلفظ ألسنتهم ساقط الكلام.

هؤلاء الأبناء الذين أصبح بعضهم شياطين يسيرون على الأرض، وهؤلاء الشّباب الذين أفسدوا واقع النّاس بطيشهم وعبثهم وأذاهم، بكلامهم السّاقط وألبستهم المخجلة وتصرّفاتهم المنحطّة.. هؤلاء الأبناء والشّباب يخرجون من بيوتنا ويأوون إليها، ونحن من تسبّب في هذا الذي وصلوا إليه بتهاوننا وانشغالنا بالدنيا عن تربيتهم. انشغلنا بدنياهم عن دينهم، فأفسدوا دنيانا وديننا، والله المستعان.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!