الرأي

باسم‭ ‬الله‭ ‬مجراها‭ ‬ومرساها

الشروق أونلاين
  • 2413
  • 5

عبقرية السلطة الجزائرية التي حوّلت مليونا ونصف مليون طالب جامعي إلى جهاز هضمي تجرّه قدميه نحو طوابير مطاعم الإقامات الجامعية، ويختزل انشغالاته في تحسين الوجبات الغذائية، واختصرت أحلام الشباب في تأشيرة تنقلهم إلى أي دولة في الخارج أو منصب شغل لا يعمل فيه ولا ينتج ويتقاضى منه مرتبا لا يأكل منه حتى يجوع وإذا أكل لا يشبع، تمكنت أيضا من أن تزرع في نفس كل جزائري غابة من العُقد أبعدته سنوات ضوئية عن جوهر الحياة الدنيا وعن الآخرة، ومن هاته العقد المزمنة السيارة، إلى درجة أن طفلا بريئا إذا حدثته عن أحلامه إختصرها في اكتساب سيارة فاخرة عندما يكبر، وإذا سألته عن آخرته وصف لك الجنة بحظيرة لأفخم السيارات، والزائر لمعرض الجزائر الدولي للسيارات يدرك أن درجة الاستهلاك عندنا قد بلغت مرحلة الإدمان حتى تخال “الحجّاج” نحو هاته المعارض سكارى وما هم بسكارى، يخشعون أمام ما تنتجه وتصنّعه بقية الدول، ولا أحد بفهم لماذا تبقى الجزائر من البلدان النادرة التي لا تُصنّع السيارات ولا نقول تصنعُها، ولا تفكر جديا في اللحاق بركب الجيران رغم الكلام الكثير الذي صار يشبه الأساطير من فكرة فاتيا في تيارت إلى رونو في منطقة بلارة.

والمفارقة العجيبة أن للجزائر رقمين قياسيين عالميين يرتبطان بالسيارة، فهي البلد الأول من حيث معدلات حوادث المرور، حيث تقتل السيارة في الجزائر أكثر من السكتة القلبية، وهي البلد الأول في استيراد السيارات الجاهزة، ولا يبذل الجزائريون أكثر من نقلها للمستهلك الذي يعيش العمر كلّه في التوفير لأجل كسب سيارة، ولا يبذل ومضة واحدة في التفكير في كيفية تصنيعها، ويعيش العمر كله في تعلم سياقتها ولا يفكر برهة واحدة لماذا لا تنتج بلاده السيارة؟ والرقم الصادم الذي تفضلت به الدولة والذي يقول أن ثلاث مئة ألف سيارة تدخل الجزائر سنويا، هو رقم لا تحققه مصر بتسعين مليون نسمة، ولا جنوب إفريقيا التي تتفوق علينا في جميع المجالات، والصادم الأعنف أن الدولة مازالت تتقن إعطاء الأرقام المهولة دون أن تفك ألغازها، فهي تقول أن الجزائري يأكل أربعة مليارات دولار من القمح والسكّر، وينتحر من أبنائه قرابة الأربعة آلاف في الطرقات عبر السيارة، ويتعاطى نصف مليون سيارة في السنة من مختلف الماركات، ولا تقول لنا متى يأكل الجزائري ما يزرع ومتى يركب  ما يًصنّعه، فكل الشركات العالمية التي يهمّها طبعا أن تبيع سلعتها وصفت الجزائري بالزبون المدهش، وإذا كان نادي برشلونة الذي هو أغنى فريق كرة في العالم يتنقل في بعض مبارياته عبر القطار، وإذا كان الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك يستقل ميترو الأنفاق، وبطل الفورميلا واحد مايكل شوماخر يستعمل دراجته الهوائية، والمترشح للرئاسيات الفرنسية فرانسوا هولند يجوب باريس بدراجته النارية فإن بعض البطالين في الجزائر بستقلون السيارة لاقتناء علبة سجائر أو الشمة أو ربطة البقدونس، وأحيانا كثيرة من دون وجهة محددة فلا يعلمون سببا لمجراها ولا هدفا لمرساها. ولا يوجد في الحياة موقف أغبى من أن يأكل الإنسان قمحا يأتيه من بلد مساحته بحجم دوّار في‭ ‬بلده‭ ‬أو‭ ‬سمكا‭ ‬من‭ ‬بلد‭ ‬لا‭ ‬يطل‭ ‬إطلاقا‭ ‬على‭ ‬البحر،‭ ‬أو‭ ‬يتعاطى‭ ‬دواء‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬تركيبته‭ ‬الكيميائية‭ ‬أو‭ ‬يسوق‭ ‬سيارة‭ ‬لا‭ ‬يعلم‭ ‬كيف‭ ‬ولماذا‭ ‬تسير؟

مقالات ذات صلة