بجاية وصناعة الوعي العربي
ليس سرا أن الشخصية الوطنية الجزائرية عبر التاريخ هي من صناعة مدن ثلاث: قسنطينة وبجاية وتلمسان وقد أثرت هذه المدن الثلاث ليس في المساحة الجزائرية كما نعرفها اليوم، بل في الامتدادات الافريقية والأوروبية والعربية وفي العادة كثيرا ما أغني في كتبي وكتاباتي بأن الوعي في المشرق العربي هو وعي مغاربي وفي التحديد أقول أنه جزائري، ولكن البعض مازال يقول إن المشارقة لا يهتمون بالمغاربة وخصوصا بالجزائريين ولا يقرؤون كتبهم، وأجد في هذا ظلما كبيرا للمدن الجزائرية وخاصة مدينة بجاية التي يصر بعض “الكُذاب” على اقتلاعها من تاريخها ووضعها في تاريخ آخر ليس منها وليست منه.
كيف؟ كل من يقرأ تاريخ الفكر العربي سواد القرن العشرين أو القرون الخوالي يجد أن صانعيه هم علماء بجاويون أو بجائيون كما يحب أن يكتبها البعض – وقد حفظت بطون الكتب أفكارهم وأنسابهم وانتسابهم إلى هذه المدينة التي تعلمت منها إيطاليا الرومانية كتابة الرقم العربي 1، 2، 3، وغيرها من العلوم والأفكار، كما تعلم منها المشرق العربي الكثير سواء في السياسة أو الدين أو الكفاح فقد بث العلماء البجاويون في المشرق العربي روح الكفاح!
من؟ سأكتفي هنا بذكر أمثلة من علماء بجاية الذين قادوا الفكر العربي في المشرق وصنعوا الشخصية العربية المقاومة.
1– الفضيل الورتلاني مهندس الثورة اليمنية وكاتب ميثاقها عام 1947 / 1948، وهو الذي لفت نظر جماعة الإخوان المسلمين إلى ما يجرى في المغرب العربي، بل هو الذي قال أن تحرير الجزائر سيحرر فلسطين والعرب، فأصدر الحزب الوطني المصري قائلا: “لبيك يا فضيل. وسأفتح قوسا هنا لأقول أن الحزب الوطني المصري الذي لبى نداء الشيخ الفضيل الورتلاني هو الحزب الذي عرض رئاسته عند تأسيسه في سبعينيات القرن التاسع عشر على الأمير عبد القادر الجزائري.
2– الشيخ طاهر الجزائري أصيل بني وغليس من أقبو وهو مؤسس الفكر القومي العربي الحديث وصانع رواده في الشام عبر جمعية النهضة العربية وهو ناشر التعليم باللغة العربية وهو الذي أفشل سياسة التتريك التي يريد ان يستعيدها اردوغان العثماني الجديد اليوم.
3– سليم السمعوني الجزائري أحد القيادات القومية العربية الذي أعمدتهم تركيا 1915، وهو واضع أول نشيد قومي عربي، ويتقن عدة لغات من بينها القبائلية والفرنسية كما يذكر في مقدمة كتابه الفلسفي في علم المنطق الذي سماه ميزن الحق.
4– الشيخ اسماعيل اليعقوبي قائد المتطوعين لمحاربة الجنرال غوردو سنة 1920 والذي قاد ولده إبراهيم إلى جانب الشيخ الهاشمي التلمساني حركة التصوف في بلاد الشام في خمسينيات القرن الماضي.
وأما في القرون الخوالي فنجد من العلماء البجاويين الذين صنعوا الوعي العربي الإسلامي في المشرق علماء أجلاء مثل:
5– عبد السلام سيد الناس البجائي الذي تولى قضاء دمشق عشرين عاما إلى أن توفي عام 1191م.
6 – عمر الوهجاني الصواف الذي اعتقله الحكام المماليك في القاهرة التي توفي بها عام 1291م
7– أبو بكر بن عبد الله البجائي الذي توفي في القاهرة 1325م وغيرهم كثير من عبد القوي البجائي وإبراهيم الزواوي دفين جبل لبنان.
وقد ترك هؤلاء كثيرا من الكتب المخطوطة التي لا يكاد وعرفها أو يحققها أحد بل ومن هؤلاء الذي يريدون طمس بجاية وتاريخها، فالمكتبة البجاوية تشكل واحدة من أكبر رفوف المكتبة التراثية العربية، وكان لهم تأثيرهم اليومي على الناس، وأسهموا بجدية في صناعة العقل العربي سواء في العصور الوسطى أو العصور الحديثة، وقد ذكرتهم المصنفات العربية القديمة كما هو الحال في كتب ابن حجر العسقلاني أو الحديثة مثل البشير وروض البشر وما إليها من كتب الفهارس.. والوحيدون الذي يصمتون عن هذا الأثر البجاوي في الفكر العربي وحتى الروماني هم أولئك الذين يكرهون الحقيقة، حقيقة الشخصية الوطنية الجزائرية.