الرأي

بحر العلوم

هذا القول‮ ‬يُوحي‮ ‬بأن من قيل فيه‮ ‬يمتاز ببسطة في‮ ‬العلم واتساع المعرفة،‮ ‬فمن هو القائل؟ ومن هو الذي‮ ‬قيل فيه؟

فأما القائل فهو الإمام ابن باديس،‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يحمد أحدا بما لم‮ ‬يفعل،‮ ‬أو بما ليس فيه،‮ ‬ولا‮ ‬يبخس أحدا حقه‮.‬

وأما من قيل فيه هذا الكلام فهو الشيخ عبد القادر المجاوي‮ (‬1846‮ ‬‭-‬‮ ‬1914‮)‬،‮ ‬الذي‮ ‬يمر في‮ ‬هذه الأيام قرن على انتقاله من الفانية إلى الباقية،‮ ‬ويعزز شهادة الإمام ابن باديس قول العالم المجاهد الليبي‮ ‬سليمان الباروني‮ ‬فيه،‮ ‬وهو‮:‬

‮”‬سيبويه‮” ‬العصر من هذّبه أدب‮       ‬

‮     ‬العلم فأروى من ورد

ذلك عبد القادر الطود الذي‮             ‬

‮     ‬لا‮ ‬يقول القول إلا بسند

لا مرية في‮ ‬أن الكثرة الكاثرة من الجزائريين لم‮ ‬يطرق أسماعهم اسم هذا العالم،‮ ‬لأنهم كما قال الشيخ محمد السعيد الزاهري‮:‬

ذو العلم ليس‮ ‬ينال إلا مقتهم‮   ‬

‮   ‬وذو الضلال‮ ‬ينال الخير والكرما‮.‬

و”لو كان هذا الرجل من أمة عالمة لأحيت ذكراه في‮ ‬كل مناسبة‮”. (‬الشهاب،‮ ‬مارس‮ ‬1932‮. ‬ص‮ ‬194‮).‬

إن العلم الحقيقي‮ ‬هو الذي‮ ‬يُكسب صاحبه أخلاقا جميلة،‮ ‬وشمائل جليلة،‮ ‬وصفات نبيلة،‮ ‬فإن لم‮ ‬يكن كذلك فهو كشجرة بلا ثمر،‮ ‬وكوردة بلا رائحة،‮ ‬وقد قيل في‮ ‬هذا الشأن‮:‬

لا تحسبن العلم‮ ‬ينفع وحده‮   ‬

‮      ‬ما لم‮ ‬يتوّج ربّه بخلاق

لقد شهد على حسن أخلاق الشيخ المجاوي‮ ‬إمامان جليلان،‮ ‬لم‮ ‬يقلاّ‮ ‬عنه فضلا وخلقا،‮ ‬وهما الإمام ابن باديس،‮ ‬والإمام محمد لخضر حسين الجزائري‮ ‬الذي‮ ‬صار شيخا للأزهر فيما بعد‮.‬

قال الإمام ابن باديس في‮ ‬تأبين الشيخ المجاوي‮: “‬كنت مثالا لحسن الأخلاق،‮ ‬وكرم الطبع،‮ ‬ولباب الفضيلة‮” (‬دور الشيخ المجاوي‮. ‬سمية أولمان،‮ ‬ص134‮).‬

وقال الإمام محمد لخضر حسين،‮ ‬وقد حضر بعض دروس الشيخ المجاوي‮: “‬ولهذا الشيخ خلق عظيم نحمده عليه،‮ ‬وهو سلوكه في‮ ‬معاملة تلامذته طريقا وسطا،‮ ‬لا‮ ‬ينحط عن مكانة عزة النفس،‮ ‬ولا‮ ‬يرتفع عن ساحة التواضع،‮ ‬تحمله عواطف النّسب العلمي‮ ‬على العناية بشؤونهم،‮ ‬وبذل الوسع في‮ ‬قضاء مآربهم،‮ ‬ويصّده علوّ‮ ‬الهمة عن مجاراتهم فما‮ ‬يزري‮ ‬بخطّته الشريفة‮.. ‬ولعل هذا الخلق الذي‮ ‬لا‮ ‬ينبل الرّجل إلاّ‮ ‬به هو الذي‮ ‬غرس له في‮ ‬قلوب الجمهور مودّة واحتراما‮”‬،‮ (‬السعادة العظمى‮. ‬ع‮ ‬19‮ ‬‭-‬‮ ‬20‮ ‬‭-‬‮ ‬16‮ ‬شوال‮ ‬1322‮.‬ص‮ ‬300‮ ‬‭-‬‮ ‬301‮).‬

ولد الشيخ المجاوي‮ ‬مع نهاية جهاد الأمير عبد القادر وأحمد باي،‮ ‬وعاصر جميع ثورات الجزائريين في‮ ‬القرن‮ ‬19،‮ ‬تعلم في‮ ‬تلمسان والمغرب،‮ ‬ولما رجع إلى قومه لم تتركه فرنسا حرّا فوظفته،‮ ‬ولكنها لم تستطع تسخيره،‮ ‬بل لقد ناله‮ ‬غضبٌها،‮ ‬بسبب أفكاره الإصلاحية،‮ ‬ولدعوته إلى نشر العلم،‮ ‬خاصة في‮ ‬كتابه المسمى‮ “‬إرشاد المتعلمين‮”.‬

رحم الله الشيخ عبد القادر المجاوي،‮ ‬الذي‮ ‬يمثل حلقة هامة في‮ ‬سلسلة السند العلمي‮ ‬في‮ ‬الجزائر،‮ ‬فمن تلاميذه الشيوخ حمدان لونيسي،‮ ‬المولود بن الموهوب،‮ ‬أبو إسحاق اطفيش،‮ ‬الذي‮ ‬نفته فرنسا إلى تونس،‮ ‬ومنها إلى مصر،‮ ‬وأحمد البوعوني‮ ‬وغيرهم،‮ ‬وأما نحن الجزائريين في‮ ‬هذا الزمان فينطبق علينا بيت الشيخ ابن الموهوب وهو‮:‬

صعود الأسفلين به دهينا‮   ‬

‮     ‬لأنا للمعارف ما هُدينا

مقالات ذات صلة