الرأي

بلا مزيتك!

جمال لعلامي
  • 4490
  • 0

كنت شاهدا على ظاهرة مؤسفة، مزعجة، غريبة، مستفزة، محرّضة، مسبّبة للنرفزة والسكّري.. طبيب بمستوصف عمومي، لا داعي لذكره بالاسم والعنوان، “زجر” في وجع المكلفة بالاستقبال، لأنها أعلمته بعد سؤاله، أن هناك شيخا “مريضا” يُريد الاستفسار فقط، يجلس في قاعة الانتظار مع المرضى الذين ينتظرون دورهم منذ ساعات باكرة، وقد بلغهم منتصف النهار!

هذا “الطبيب” رفض التحدث مع الشيخ المسكين وقال بالحرف الواحد: “ما عنديش الوقت للهدرة.. خدمتي مازال ماكملتهاش والمرضى راهم يستناو”.. وسمع الشيخ هذه الكلمات التي من المفروض أن لا ينطقها لسان طبيب، تبدّل لونه، ليس غضبا، ولكن حزنا، ثم طأطأ رأسه وخرج منصرفا، منكسر الجناحين، لا يدري لماذا نهره بهذه الطريقة طبيب يقترب في مهمته الإنسانية من ملائكة الرحمان!

هل يُعقل أن يحدث هذا في مستشفياتنا؟ أليس من العيب والعار أن يتصرف بعض الأطباء هكذا؟ هل يُمكن للطبيب المتورط في هذا “العدوان” أن يبرّر فعلته في حق مريض أو مقبل على المرض؟.. هل تحدث مثل هذه المشاهد المؤلمة في بلدان أخرى؟.. هل بقي لهذا الطبيب وأمثاله مبرر للوجود ومبرّر لحمل شارة مهنة الطبيب؟

شهادات كثيرة، وصوّر مهرّبة بالجملة والتجزئة، تفضح الواقع المرّ لتجاوزات يرتكبها أطباء وممرضون وأعوان بمستشفيات ومراكز صحية عمومية، يُفترض أن كلّ من دخلها فهو آمن ولا خوف عليه، لكن أطباء مغمورين و”مزيّفين” للأسف شوّهوا سمعة الطبيب النزيه، والحمد لله أن هذه الظاهرة ليست عامة، وأن هناك أطباء يستحقون كلّ العرفان والتقدير!

كنت أتصوّر، أن يخرج صاحبنا “الطبيب” من مكتبه، ويترك ما بيديه، إلاّ إذا كانت حالة مستعجلة، ويتوجّه بنفسه إلى شيخ في مكانة والده، فيقبّله على جبينه، يسمع شكواه، أو سؤاله، يُجلسه فوق الكرسي، يُطمئنه، ويردّ عليه بكلّ أدب ووقار، فيربح قبل أجره، “دعاوي الخير”!

لكن المعني أبى واستكبر، وبدل أن ينقل الطمأنينة إلى كلّ المرضى الذين كانوا ينتظرونه، فإنه نقل إليهم صورة مشوّهة عن وظيفة الطبيب، وقد كانت هذه المأساة الحية، مأساتين، عندما تأكدت بأن هناك مريضين “أجنبيين” من جنسية غربية، يرجّح أنهما موظفان في شركة ما، شاهدا الواقعة ولم يهضما ما حدث، رغم أنهما لا يفهمان العربي، لكنهما قرآ ما وقع من خلال الإشارات وردّات الفعل، من الطبيب والشيح وكل المرضى!

ليس هكذا تورّد الإبل، يا أيها “الفاهم”، وليس هكذا تقدّم خدمة عمومية لمواطنين عليك أنت وغيرك أن تخدمهم “بلا مزيتك”!

مقالات ذات صلة