-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
هذا هو النائب العام الجديد لمجلس قضاء الجزائر

بن بوضياف.. مسار حافل في المعركة ضد الفساد

نوارة باشوش
  • 5421
  • 0
بن بوضياف.. مسار حافل في المعركة ضد الفساد
ح.م
محمد الكمال بن بوضياف

عيّن رئيس الجمهورية، القاضي الأول في البلاد، عبد المجيد تبون، القاضي محمد الكمال بن بوضياف، نائبا عاما لمجلس قضاء الجزائر، في خطوة تعكس التوجه نحو تعزيز كفاءة الجهاز القضائي وترسيخ مبادئ العدالة.
ويأتي هذا التعيين بعد مسار حافل تولى خلاله بن بوضياف مسؤوليات بارزة، من بينها رئاسة القطب الاقتصادي والمالي، حيث أشرف على قضايا معقدة بحرفية وصرامة وسلاسة وذكاء، بشهادة زملائه في المهنة سواء قضاة أو محامين وحتى أمناء الضبط.
ومع توليه هذا المنصب، تترقب الأوساط القضائية استمرارية دوره في دعم الإصلاحات القانونية ومواصلة تعزيز فعالية القضاء في المرحلة المقبلة، وذلك في إطار جهود مكافحة الفساد تحت قيادة وزير العدل الجديد لطفي بوجمعة وتنفيذا لتوجيهات رئيس الجمهورية، القاضي الأول في البلاد، عبد المجيد تبون.
ولم يكن تعيين القاضي بن بوضياف نائبا عاما لمجلس قضاء الجزائر محض صدفة أو قرارا إداريا عابرا، بل جاء كخطوة محسوبة بعناية من طرف السلطات العليا للبلاد، في سياق المسار الحساس الذي تسلكه الجزائر في مكافحة الفساد واستعادة هيبة الدولة عبر القضاء المستقل، فمنذ التحاقه بسلك العدالة في سبتمبر 2005، راكم الرجل خبرة عميقة في القضايا الكبرى، متنقلا بين مفاصل حساسة في جهاز القضاء، حيث اختبر تحديات الملفات المعقدة وأثبت قدرته على الصمود أمام مختلف الضغوط، كما لم يكن الطريق إلى هذا المنصب معبدا بالقرارات الروتينية، بل هو نتاج مسيرة صقلتها الملفات الثقيلة والرهانات الكبرى.
وبدأ بن بوضياف مساره كقاضي جنح بمحكمة طولقة في بسكرة، ثم عميدا لقضاة التحقيق بنفس المحكمة، قبل أن يتلقى تكوينا دوليا في جامعة ليل الفرنسية، حيث حصل على “ماستر 2” في الجريمة السيبرانية تحت إشراف وزارة العدل، إلى جانب تليقه 33 تكوينا في مختلف الجرائم، جرائم مكافحة الفساد وتبييض الأموال، في وقت كانت الجزائر تواجه تحديات الجرائم الاقتصادية والمالية العابرة للحدود.
عين لاحقا عميدا لقضاة التحقيق بمحكمة عنابة بين سنتي 2013 و2017، ثم رئيسا للغرفة الجزائية ورئيسا لمحكمة الجنايات بالقطب المتخصص في ورقلة بين سنتي 2017 و2019، ليجد نفسه في قلب معركة الفساد الكبرى التي تفجرت بعد حراك 2019، حيث أوكلت إليه واحدة من أكبر المهام الحساسة والثقيلة وهي رئاسة القطب المتخصص بمحكمة سيدي أمحمد، ليشرف مباشرة على كبرى محاكمات رموز النظام السابق في فترة حساسة من تاريخ الجزائر المعاصر، فاستطاع تحمل عبء هذه المرحلة ونجح في ترجمة الإرادة الشعبية إلى أحكام نطقت وما تزال تنطق باسم الشعب الجزائري.
وفي فترة لاحقة، تولى رئاسة القطب الجزائي الاقتصادي والمالي المستحدث من طرف الرئيس تبون، في الفترة بين 2021 و2023، حيث أصبح اسمه مرادفا للقضاء الصارم، بعد أن أدار جلسات محاكمة كبار المسؤولين في الدولة على شاكلة السعيد بوتفليقة وأحمد أويحيى وعبد المالك سلال ونور الدين بدوي، وجمال ولد عباس والسعيد بركات وعمارة بن يونس وهدى فرعون وخليدة تومي والطيب لوح وغيرهم، ولفيفا من رجال الأعمال وكبار “الأوليغارشية” من أمثال علي حداد، محي الدين طحكوت، بهاء الدين طليبة، إضافة إلى شخصيات نافذة في الدولة وثلة من الولاة، وكان الرجل في فوهة المدفع، يواجه شبكات المال والنفوذ التي تشابكت خيوطها لعقود.
الوافد الجديد على النيابة العامة لدى مجلس قضاء الجزائر، فصل تواليا ومن دون توقف في ملفات فساد كبرى معقدة وشائكة على غرار سوناطراك والموارد المائية وملفات “التلاعب بقوت الجزائريين”، وكذا ملف “الخوصصة”، وانجاز “محطة الطيران”، زيادة على ملف “الوكالة الوطنية للسدود والتحويلات” والتلاعب بـ”الاستثمارات “، خاصة في الجنوب، إلى جانب ملف الأمين العام السابق للاتحاد العام للعمال الجزائريين عبد المجيد سيدي السعيد، كما أصدر أحكاما قضائية في ملفات الإثراء غير المشروع وتحويل الأموال وتبييضها التي توبع فيها عدة وزراء وولاة الجمهورية ومسؤولين، ليثبت أن العدالة لا تعرف التردد أمام أصحاب السلطة.
وخلال توليه منصب وكيل الجمهورية للقطب الاقتصادي والمالي، سير نيابة الجمهورية بامتياز وحنكة، حيث اشرف على أكبر التقديمات على شاكلة قضية استرجاع 5 آلاف مليار من تبييض عائدات التبغ في عين امليلة وملف استغلال النفوذ من بعض المترشحين لرئاسيات 2024، إلى جانب فضيحة “نونو مانيتا”.
ومع تعيينه حاليا نائبا عاما لمجلس قضاء الجزائر، يصبح بن بوضياف على رأس هرم النيابة العامة في العاصمة، وهو المنصب الذي يشكل مفتاحا رئيسيا في توجيه السياسة الجنائية ومتابعة القضايا الكبرى. فالرهانات أمامه كثيرة، وأولها ضمان استمرارية الصرامة في مكافحة الفساد، وعدم السماح بتغول شبكات غير قانونية، والتحدي الآخر الذي ينتظره يكمن في تعزيز استقلالية القضاء في الملفات الحساسة، حيث تظل الجزائر أمام استحقاقات قضائية كبرى، تتطلب توازنا دقيقا بين حماية المال العام ومنع تجريم النزهاء، وهنا تبرز الحاجة إلى قضاء قوي قادر على رسم حدود واضحة لمنع ممارسات الماضي.
وتبقى المهمة الأكثر أهمية هي السير على نفس نسق المحاكمات التاريخية التي أدارها بن بوضياف في القاعة رقم 5 بمحكمة سيدي أمحمد، والتي اعتبرها الجزائريون لحظة استرجاع الدولة لهيبتها، بمحاكمات تاريخية لوزراء ورجال أعمال مارسوا النفوذ لسنوات.
ويتزامن هذا التنصيب، مع تصاعد الحديث عن إصلاحات قانونية كبرى، سيكون الرجل الذي حاز على ثقة رئيس الجمهورية ووزير العدل لطفي بوجمعة أحد المطالبين بتجسيدها ميدانيا، حيث القانون في عهد الجزائر الجديدة ليس إلا سيفا مسلطا على كل من يفكر في انتهاكه، وأداة لتحقيق العدالة بدون انتقائية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!