بن صالح.. رجل يحسن الإنصات لم تخدمه الظروف!
يعتبر رئيس الدولة المؤقت، عبد القادر بن صالح، أحد الشخصيات الوفية لتقاليد الدولة، فكثيرا ما تم اللجوء إليه للمساهمة في تسيير المراحل الصعبة التي مرت بها البلاد، منذ ما يقارب الثلاثة عقود.
لم يكن بن صالح معروفا لدى الكثير من الجزائريين عندما كلف برئاسة المجلس الوطني الانتقالي في منتصف التسعينيات، عندما تم استحداثه من قبل المجلس الأعلى للدولة يومها، لمواجهة الفراغ التشريعي الذي كانت تعاني منه البلاد حينها، بعد وقف المسار الانتخابي في بداية التسعينيات.
هو رجل طيّع ومطيع، غير متعنّت ومهادن، يحسن الإنصات، قادر على التكيف مع الظروف التي تواجهه، وهي المواصفات التي يجب توفرها في الرجل الذي يطمئن له صناع القرار في البلاد، كل هذه المعطيات مكنت بن صالح من فرض نفسه، كقطعة غيار يلجأ إليها لصيانة محرك النظام كلما تعرض لعطب.
لم يعهد عن رئيس الدولة المؤقت، على مدار حياته السياسية وكإطار في الدولة، الذي بدأ يتسلق السلم في الثمانينيات من القرن الماضي، كنائب في المجلس الشعبي الوطني، ثم سفير في المملكة العربية السعودية، أي صدام مع أي كان، إن في الدولة أو في الحزب (التجمع الوطني الديمقراطي)، الذي يعتبر أحد أبرز مؤسسيه.
من الصعب على الرجل العادي، النجاح في إدارة التناقضات التي كانت معششة في المجلس الانتقالي الذي ترأسه ما بين 1994/ و1997، فعلى الرغم من أن هذا الكيان الذي ولد مشوها بسبب ظروف وحيثيات استحداثه، وكذا الخلفيات الإيديولوجية والسياسية للشخصيات التي كانت تشكله، إلا أن بن صالح نجح في إدارة المهمة التي أوكلت إليه.
خصوصية الرجل الذي يشهد له بالقدرة على امتصاص الصدمات، أهلته لأن يكون أحد الوجوه التي طبعت المشهد في مرحلة التسعينيات، فقد عين رئيسا ومقررا لندوة الوفاق الوطني، التي كللت بتكليف الرئيس الأسبق، اليامين زروال رئيسا للدولة في العام 1994، ثم رئيسا للمجلس الشعبي الوطني لمدة خمس سنوات (1997/ 2002).
الروح الانسجامية التي لطالما تمتع بها بن صالح، مكنته أيضا من التعايش مع أكثر من رئيس، فقد عايش الرئيس الراحل، الشاذلي بن جديد، كنائب وسفير، كما عايش فترة حكم المجلس الأعلى للدولة، ثم الرئيس السابق كرئيس لهيئة تشريعية غير منتخبة، ومع الرئيس الأسبق، اليامين زروال كرئيس للغرفة السفلى للبرلمان، ومع الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، الذي أصبح معه الرجل الثاني في الدولة، ما مكنه اليوم من تقلد أعلى مسؤولية يمكن أن يتمناها أي رجل سياسي طموح، وهو منصب رئيس الدولة المؤقت، إثر تنحي بوتفليقة تحت ضغط الشارع.
ومن سوء حظ الرجل أن فترة توليه رئاسة الدولة، تزامنت ووعي شعبي غير مسبوق، أفرزته الأخطاء الفادحة لنظام الرئيس السابق ومحيطه، والذي أصر على البقاء في السلطة مهما كان الثمن، وهو ما أدى إلى انهيار المعبد على من كانوا فيه، وأحدهم بن صالح، الذي أصبح اليوم رأسه مطلوبا أكثر من أي وقت مضى من قبل ملايين الجزائريين، الذين ينزلون إلى الشارع كل جمعة منذ أزيد من شهرين.