بوضياف عيّن والدي في المجلس الاستشاري ورفض بطاقة المجاهد بعد الاستقلال
عبد الحميد بن هدوقة يعرفه الكثيرون كروائي و كاتب مسرحي إذاعي، ترك العديد من المؤلفات في هذا الإطار، لكن القلة فقط تعرف بن هدوقة الثوري، وصاحب المسار السياسي إبان ثورة التحرير، و إبان الأزمة الأمنية التي ضربت الجزائر في تسعينات القرن الماضي. “الشروق” تحاول العودة لمسار صاحب “بان الصبح”، و سيرته خارج الأدب، وهذا من خلال شهادة ابنه الصحفي أنيس بن هدوقة الذي يكشف جانبا غير معروف لدى قطاع واسع من الجزائريين عن والده الراحل.
انطلق مسار الراحل عبد الحميد بن هدوقة الذي لم يمهله السرطان كثيرا كي يكتب مذكراته من جامع الزيتونة بتونس على غرار أبناء جيله ممن يريدون الاستفادة من العلم، حيث كان هذا غير متاح في جزائر الاستعمار الفرنسي. التحق بن هدوقة بتونس، أين تلقى تعليمه باللغة العربية تزامنا مع التحاقه بالمدرسة الفرنسية التي دخلها تشجيعا من أخواله قبل أن يلتحق بالكتانية إرضاء لوالده. هذا الخليط من الثقافات والمرجعيات الفكرية سيمنح لبن هدوقة شخصية متزنة وأفقا رحبا للتفكير، خاصة بعد التحاقه بمعهد التمثيل العربي الذي سمح باكتساب نظرة متفتحة على العالم.
كان أول اتصاله بالنضال السياسي في قسنطينة، حيث كان طالبا بمعهد الكتانية، أين التحق بحركة انتصار الحريات الديمقراطية. انتسب بعدها إلى جامع الزيتونة. في سنة 1952، ألقي عليه القبض في مظاهرات جانفي في تونس وزُج به في سجن المحمدية، لكنه تمكن من الفرار والعودة إلى الجزائر. في 1955 هرب من قبضة الشرطة الاستعمارية التي كانت تطارده وتوجه نحو فرنسا 48 ساعة قبل عملية المداهمة التي شنتها الشرطة الفرنسية بحثا عنه.
في باريس تحصل بن هدوقة على دبلوم في تحويل المواد البلاستيكية ودبلوم آخر في الإخراج الإذاعي، و قد اشتغل بالشهادتين معا في مراحل متقطعة من حياته.
علاقة عبد الحميد بن هدوقة بالكتابة بدأت من حادث مهني أقعده عن العمل وألزمه الفراش وهناك اكتشف علاقته بالمسلسلات الإذاعية فكتب مجموعة من النصوص لهيئة الإذاعة البريطانية “البي بي سي” و الإذاعة التونسية لاحقا بطلب من جبهة التحرير التي هربته من فرنسا إلى ألمانيا قبل أن يدخل إلى تونس و هناك كلفته الحكومة المؤقتة بإخراج صوت الجزائر، حيث كلف بالجانب المسرحي في البرامج التي كانت تبث من تونس.
وبتكليف دائما من الحكومة المؤقتة، يباشر بن هدوقة إعداد دراسة “الجزائر بين الأمس و اليوم” التي صدرت باسمه تحت إشراف الحكومة المؤقتة. فترة تواجده بتونس كانت فرصة للقاء والتقارب مع قيادات وأسماء شاركته النضال في عدة مجالات أمثال بشيشي والطاهر وطار ومهري ومصطفى كاتب والرئيس الراحل علي كافي، الذي ترأس رفقته جمعية الطلبة الجزائريين بالزيتونة.
بعد الاستقلال، التحق بن هدوقة بالإذاعة والتلفزيون ورفض استصدار بطاقة مجاهد وبقي بعيدا عن السياسة إلى غاية استدعائه من طرف محمد بوضياف ليكون ضمن 60 شخصية في المجلس الوطني الاستشاري الذي شكل بعد توقيف المسار الانتخابي، لكن لم يلبث أن استقال من المجلس و عاد للكتابة.
يقول ابنه أنيس بن هدوقة أن والده دافع دائما عن حرية التعبير وتحرر المرأة و قيم المجتمع، كما دعا دائما إلى نبذ التخلف والرجعية، حيث نجد دائما كتابات بن هدوقة تسير في هذا الإطار، وكان هذا نتيجة شخصية التي امتزج فيها الكاتب الأديب بالسياسي المناضل وهو الذي درس في الزتونية والكتانية و عاقر المدارس الفرنسية والكتاب، كما استمد من المعهد العالي للتمثيل العربي بتونس رؤية منفتحة على العالم، زيادة على اختلاطه بالطبقات العمالية في المصانع الفرنسية، أين اكتسب حسه النضالي لصالح الطبقات البسيطة.
من بين ما ترك الراحل بن هدوقة زيادة على الأعمال المنشورة، 8 مجلدات غير منشورة تحتوى على أزيد من 200 تمثيلية إذاعية يسعى اليوم ابنه لإخراجها إلى النور. وفي السياق ذاته، قال انه يبحث إمكانية إنشاء مؤسسة تحمل اسم والده لإعادة الاعتبار لتراث واحد من كتاب الجزائر الكبار الذين غيبهم التجاهل والنسيان لحد انه يتم دائما الخلط بين صورته وصورة محمد ديب، وهي الحادثة التي دفعت ابنه أنيس إلى إنشاء موقع الكتروني يجمع تراث والده من الصور والأرشيف الذي يجمع بين ما كتب وما كتب حول بن هدوقة. و في سياق متصل، يتساءل ابن الراحل عن أسباب توقف ملتقى بن هدوقة الذي كان يعقد سنويا في البرج حول أعمال الراحل؟ و من هي الجهات التي تقف وراء تعطيل منبر فكري هادف؟