الرأي

بين ميسي وساركوزي

الشروق أونلاين
  • 2285
  • 3

قال المفكر السوري الراحل محمد الماغوط، أن العربي يحسد كل من يجلس على الكرسي سواء كان مديرا عاما أو رئيس بلدية أو رئيس دولة أو حتى الذي كفاه الله شرّ الإمساك فجلس على كرسي “التواليت” يقضي حاجته البيولوجية، لكن يبدو أن هذه المعادلة “سيئة النية” بالإنسان العربي لا تنطبق على الجزائري، فهو أشد أعداء الكراسي على اختلاف أشكالها، رغم ما تصله من وراء البحار وعبر الفضائيات من نماذج لصور احترام الكراسي.

فقد تابع الجزائريون في اليومين الماضيين حدثين عالميين أحدهما رياضي والآخر سياسي، تبين فيهما مدى احترام الناس للكرسي الذي يجلس عليه المواطن البسيط والحاكم أيضا، حيث واجه نادي برشلونة، “عدوّه” الكروي نادي ريال مدريد، في لقاء حضره قرابة مئة ألف متفرج من أنصار ميسي ورفقائه جلسوا على مقاعدهم المحجوزة بنظام قبل بداية المباراة بربع ساعة دفعة واحدة، وخرجوا بعد النهاية بربع ساعة دون أن نسمع عن تحطيم مقعد واحد رغم خسارة فريق الجالسين على المقاعد أمام مرآى مليار نسمة، لأنهم سيعودن إلى ذات المقاعد التي أنتجت بأموالهم، في الوقت الذي تم تحطيم ستة وعشرين مقعد في ملعب قسنطينة، واحتار مدير مركب الخامس من جويلية بالعاصمة، كيف يتعامل مع مقاعد الملعب التي صارت تُكسر سواء خسر الفريق أو فاز، وأحيانا قبل بداية المقابلة، في بلد هو الوحيد في العالم الذي مازال أنصار الكرة فيه يدخلون إلى الملاعب في الساعات الأولى من الصباح، ويجلسون على كرسي من الحجر وأحيانا لا يجلسون، كما واجه في فرنسا الرئيس نيكولا ساركوزي، خصومه في معركة حاسمة للجلوس على المقعد، استعملت فيها كل أنواع أسلحة المكر والحِيل السياسية من دون المساس بمقعد الرئاسة المقدس والمخصص لخدمة الناخبين واحترام القوانين، في الوقت الذي لا يجلس المترشحون عندنا أبدا على مدار الحملة الانتخابية ليس طمعا في كرسي المجلس الشعبي الوطني، وإنما في سرير الراحة الذي سيمنحهم بقية العمر المرتب المريح والحصانة البرلمانية وكثيرا من الامتيازات.

فِطرة الإنسان أن يحب نفسه أكثر من الآخرين، وأن لا يفكر أبدا أنها لو دامت لغيره ما بلغته، وفِطرته أن يتمسك بمقعد القيادة بكل ما أوتي من قوة، وتكاد فتن المجتمعات والحكومات تُختصر في الصراع على الكراسي، ولكن الواصل عندنا إلى المقعد إما يختار الوقوف والجري الدائم لأجل تحقيق مصالحه بطرق غير مشروعة وبالدوس على القانون الذي من المفروض أنه يجلس على المقعد لأجل خدمته، أو يختار النوم لكونه رجلا غير مناسب لمقعد غير مناسب.

حب الكرسي والسعي لأجله، هو في حد ذاته مطلب شريف سعى له الكثير من عظماء ونبلاء التاريخ، والتمّسك بالجلوس على الكرسي لم يكن أبدا من عيوب الرجال الذين يستمتعون براحة المقعد فيبذلون العرق لأجل أن يبقوا في أماكنهم، أما العيب فهو أن يُداس الكرسي بأقدام اللامبالاة والغرور، ويقنع بالغه نفسه بأن المحافظة عليه لا يمكن تحقيقها إلا بالمحاباة وبالرشوة وبالمال، فلا كان الكرسي مفروش بالحرير كما سعى إليه لأجل أن يجعل منه تشريف له، ولا كان الكرسي مفروش بالأشواك كما سعى له لأجل أن يجعل منه تكليفا، فاندثر الكرسي من حياتنا وغاب الجلوس بين شعب وافق على الدوام في الملاعب وفي الأسواق وأمام صناديق الاقتراع وفي الشوارع وسلطة.. نائمة.

مقالات ذات صلة