-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

تاريخ “كومبارس”..!!

مروان ناصح
  • 1522
  • 0
تاريخ “كومبارس”..!!

من اللَّغَط (الأصوات المبهمة، والجلبة الغامضة، والكلام غير المفهوم) اتخذ بعض مخرجي الإذاعة – أيام مجدها – اسماً لحالة “فنية” جديدة، تكاد تشبه بعض المهن المعروفة في الدراما الإذاعية، وسمّوا من يؤدي هذه الحالة أو الدور بـ “اللاغط”.. أمّا مهمة هذا اللاغط، فهي أن يقوم منفرداً.. أو بالتعاون مع لاغطين آخرين، برسم صورة سمعية للجوّ العام الذي تدور فيه أحداث التمثيلية الإذاعية: مظاهرة.. مقهى.. سوق.. حمام شعبي.. محطة أو مركز انطلاق للمسافرين.

وأحسب أن رغبة بعض هؤلاء المخرجين في “تنفيع” أو مكافأة بعض من “يحوصون” حولهم من “الأذنة” والسعاة، هي التي حدت بهم إلى اختراع هذه “المهنة” وهذا “اللقب” الفني الذي لم يلبث أن احتل سطراً في الكشف المالي، ومبلغاً مالياً في الميزانية.. وذات يوم خطر لي أن أحتج على هذه المهنة، وهذا المؤدي، فقلت لواحد من المخرجين الظرفاء:

 – هذه مهنة “مفتعلة”..!!

– انظر حولنا إلى الحياة.. وأجبني: كم عدد المتكلمين؟! وكم عدد اللاغطين..؟!!

-هل تلمِّح إلى أن “اللاغطين” هم سواد الناس “الصامتون”.. حتى إذا تكلموا فلن تسمع منهم سوى “اللغط” المبهم.. الذي بلا معنى..؟؟

– نعم.. ولكن من قال لك إن “لغطهم” بلا معنى، أو ليس له تأثير فاعل في الأحداث.. لا سيما إذا لُقنوا ما “يلغطون” به، ليكونوا أداة في تحقيق إرادة من يلقنونهم من “قادة الحرب” أو “قادة الرأي”.. إن خيراً، وإن شراً..!! ولعلّ من أروع الأمثلة الأدبية التي تحضرني الآن.. تلك الجوقة التي تمثل العامة، أو الدهماء، في مسرحية “مأساة الحلاج” للشاعر صلاح عبدالصبور.. تلك الجوقة التي ذهبت “تلغط” بما لُقنته، للتخلص من الحلاج الذي أقلق سلطة بغداد في العصر العباسي، وجاء “لغطها” شعراً في تلك المسرحية الشعرية:

“صفونا صفاً صفّا

الأجهر صوتاً والأطول

 وضعوه في الصَّفِّ الأول

ذو الصوت الخافت والمتواني

وضعوه في الصف الثاني..

قالوا: صيحوا .. زنديقٌ كافر

صحنا: زنديقٌ .. كافر

قالوا: صيحوا، فليُقتلْ.. إنَّا نحمل دمه في رقبتنا

فليُقتل.. إنا نحمل دمه في رقبتنا

قالوا: أمضوا.. فمضينا

الأجهرُ صوتاً والأطول

يمضى في الصَّفِّ الأول

ذو الصوت الخافت والمتواني

يمضى في الصَّفِّ الثاني”

– طيب.. لكن “اللاغط” اسم مضحك.. بل إنه مؤذ لمن يحمله..!!

– ألا ترى أنّ الحياة “مضحكة”.. وفيها الكثير من “الأشياء” المؤذية؟!

– لماذا لا يتولى الممثلون مهمة إثارة اللغط داخل “الاستوديو”..؟؟ والسلام..

– يا سلام..!! ألم تسمع بالمثل الشعبي الذي يقول: “إذا أنت أمير.. وأنا أمير.. فمن يسوق الحمير..!!”.. ثم لماذا تريد أن تحرم هذا اللاغط، أو ذاك، من متعة الشعور بالخيلاء الفنية، أمام زوجته، ومعارفه، حين يسمع اسمه في الإذاعة بين المشاركين في التمثيلية.. أو يسمع صوته في خلفية المسمع الإذاعي وهو يردد جملة أو كلمة غامضة، فيشير بإصبعه لهم: اسمعوا.. هذا أنا..؟!! وأخيراً: هل رأيت في حياتك فيلماً سينمائياً أو مسرحية، أو تمثيلية تلفزيونية دون “كومبارس” حسب الحاجة: جامد أو متحرك.. صامت أو ناطق.. مفرد أو جمع أو مجاميع كبيرة.. إن “لاغط” الإذاعة هو عينه “كومبارس” المسرح والتلفزيون والسينما..

ولقد مضى زمن طويل على ذلك الحوار.. رحل خلاله ذلك المخرج ذو الفلسفة “التشيخوفية” عن عالمنا.. وقد تكون ألغيت خلاله “مهنة” اللاغط أو تحسنت أحوالها.. لا أدري.. وفي أثناء ذلك الزمن صنع السينمائي المخضرم نبيل المالح عمله البديع “الكومبارس” برؤية مميزة إلى هذا الموضوع.. حيث كان بطل هذا الفيلم عاملاً ميكانيكياً بسيطاً يهوى الفنّ، فيعمل في الليل “كومبارساً” في مسرح، وحبيبته شابة مطلقّة هي واحدة من العوام أيضاً.. وبعد أن حفيت أقدامهما لكثرة ما تجولّا في شوارع المدينة وحدائقها.. حظِيا أخيراً بلقاءٍ خاص، بعيداً عن الأعين، في شقة مستعارة من أحد الأصدقاء.. ليبدأ هذا الشاب الكومبارس في تمثيل أدواره المسرحية التي – طالما حلم بها – أمام متفرجته الوحيدة..!!

ويُفاجأ هو نفسه بأنّ لسانه الذي كان يتأتئ ببعض الكلمات التي كان يكلف بها وهو “كومبارس” على المسرح.. وقد انطلق الآن يغرد مثل بلبل أسير.. تحرر من القفص..!!

ثم قيض لي بعد مدة أن التقي أحد “اللاغطين” القدامى في الإذاعة، وقد أصبح حينها “كومبارساً” ناطقاً في السينما والتلفزيون، فوقفنا معاً على مبعدة مناسبة، من المنزل الضخم الحقيقي، الذي سيفجره المخرج السوري “ماهر كدّو” في موقع تصوير فيلمه “بوابة الجنة”.. وطال ترقبنا لهذا الحدث السينمائي الكبير، وسمعت من يسأل في جوارنا:

-ترى.. هل سيقوم المخرج بـ “بروفة” لهذا التفجير..؟؟

ثم سمعت اللاغط القديم يرد عليه ساخراً:

“بروفة”..!! إنه تفجير حقيقي.. إنه كالموت والولادة.. لمرة واحدة.. ثم ينتهي.. أو يبدأ كل شيء..!!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!