تحيّة إلى الأستاذ رشيد الخالدي!
الأستاذ رشيد الخالدي أمريكي من مواليد 1948 بنيويورك، وهو عضو الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم، ومؤرخ مختص في الشرق الأوسط. يدرّس الخالدي بجامعة كولومبيا (نيويورك) العريقة بوصفه “أستاذ كرسي”، وهي درجة من الأستاذية تُمنح لأستاذ جامعي بلغ مرتبة راقية نتيجة إنجازاتهم البحثية والأكاديمية المرموقة. وقد برزت جامعة كولومبيا في المدة الأخيرة بنضال المنتسبين إليها من طلبة وأساتذة المؤيد لفلسطين ونصرة غزة. ولذا ركّزت الإدارة الأمريكية على مضايقتها -كما فعلت وتفعل مع جامعات أخرى- ولم ترضخ الجامعة للقيود المفروضة عليها إلا في الآونة الخيرة. وهذا ما جعل الأستاذ الخالدي ينتفض ويوجه رسالة مفتوحة إلى نائب رئيس الجامعة يعلن فيها عن قراره الحاسم: “قضيتُ عقودًا في جامعة كولومبيا. وسأنسحب من تدريس مقرري الدراسي الخريفي”. إليك مضمون هذه الرسالة.
هيئة تخلط المفاهيم عمدًا، وكذبًا، ومخادعةً
يقول الخالدي موجها خطابه لنائب رئيس الجامعة: “أكتب إليكم رسالة مفتوحة لأنكم رأيتم من المناسب إبلاغي بالقرارات الأخيرة التي اتخذها مجلس الأمناء والإدارة. هذه القرارات، التي اتُّخذت بالتعاون الوثيق مع إدارة ترامب، ستحول دون تدريسي لمقرر تاريخ الشرق الأوسط الحديث، وهو مجال تخصصي وتدريسي لأكثر من 50 عامًا، أمضيت 23 عامًا منها في جامعة كولومبيا. ورغم تقاعدي، كان من المقرر أن أقدم محاضرات موسعة حول هذا الموضوع في الخريف بصفتي “محاضرًا خاصًا”، لكنني لا أستطيع القيام بذلك في ظل القيود التي قبلتها جامعة كولومبيا باستسلامها لإدارة ترامب”.
“وعلى وجه التحديد، من المستحيل تدريس هذا المقرر (وغيره الكثير) في ضوء اعتماد جامعة كولومبيا لتعريف مصطلح “معاداة السامية” بالمعنى الذي تبناه ‘التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست’ (IHRA). ذلك أن هذه الهيئة تخلط في تعريفها عمدًا، وكذبًا، ومخادعةً بين اليهودية وإسرائيل بحيث يُصبح أي انتقاد لإسرائيل، أو حتى وصف لسياساتها، نقدًا لليهود. وقد نفى الأستاذ كينيث ستيرن Kenneth Stern، أحد المشاركين في وضع تعريف هذه الهيئة استخداماته الحالية، مشيرًا إلى تأثيره المُخيف المُحتمل. ومع ذلك، أعلنت جامعة كولومبيا أنها ستُستخدمه كدليل في الإجراءات التأديبية”.
“وبموجب هذا التعريف لمعاداة السامية، الذي يخلط بشكل سخيف بين انتقاد الدولة القومية، وإسرائيل، والأيديولوجية السياسية، والصهيونية، وكراهية اليهود، فمن المستحيل أن ندرّس بالنزاهة المتوخاة مواضيع مثل تاريخ إنشاء إسرائيل، والنكبة الفلسطينية التي تدور رحاها الآن، والتي بلغت ذروتها في الإبادة الجماعية المرتكبة من قبل إسرائيل في غزة بتواطؤ ودعم من الولايات المتحدة ومعظم دول أوروبا الغربية.
“الجامعة الأمريكية باتت هدفا في ظلّ ثورة ترامب الشمولية على مؤسسات المجتمع المدني”
ثم يلاحظ الخالدي أن دروسه حول تاريخ الأرمن أو التركيا أو إيران أو أنظمة العالم العربي بكل ما فيها من مآسٍ تخضع لتحليل مُفصّل وحرّ في محاضراته دون قيود تفرضها الجامعة. أما إجراء وصف مبسّط للطبيعة العنصرية لقانون الدولة القومية الإسرائيلي لعام 2018 -الذي ينص على أن الشعب اليهودي وحده له حق في تقرير المصير في إسرائيل، دون منح نفس الحق للفلسطينيين الذين يشكلون نصف السكان- أو لطبيعة الفصل العنصري التي تُسيطر بها إسرائيل على ملايين الفلسطينيين الذين يرزحون تحت الاحتلال العسكري منذ 58 عامًا، سيكون مستحيلًا في مقرر تاريخ الشرق الأوسط بموجب تعريف مفهوم “معاداة السامية” التي تبنته الجامعة”.
“استسلام جامعة كولومبيا لإملاءات ترامب لا يمسّ حرية التعبير والحرية الأكاديمية للأساتذة فحسب، بل إنّ المساعدين في التدريس سيجدون أنفسهم مقيّدين بشدة في تدخلاتهم، تمامًا كما سيُكبَت الطلاب في أسئلتهم ومناقشاتهم، خوفًا من الوجود الدائم لمخبرين قد يُبلّغون عنهم إلى الجهاز القمعي الذي أنشأته جامعة كولومبيا لمعاقبة كل من يوجّه انتقادًا لإسرائيل، تحت ذريعة محاربة التمييز – والذي صار، في هذه المرحلة من التاريخ، لا يعني في معظم الحالات سوى معارضة الإبادة الجماعية الجارية حاليا. لقد تمّ إخضاع عشرات الطلاب وعدد كبير من الأساتذة لما يشبه محاكمات صورية، كما تمّ طرد طلاب، مثل محمود خليل، من السكن الجامعي. وقد وعدت جامعة كولومبيا الآن بجعل هذا النظام القمعي أكثر قسوة وغموضًا”.
لقد صرّحتم بأنه لم يتم تجاوز أي “خط أحمر” من خلال هذه القرارات. ومع ذلك، قامت جامعة كولومبيا بتعيين نائب لرئيس الجامعة كان مكلفا في البداية بمراقبة الدراسات الشرق أوسطية، وفرضت على الأساتذة والموظفين حضور “دورات تدريبية” حول “معاداة السامية”، تُقدَّم من قبل منظمات مثل ‘رابطة مكافحة التشهير’ (Anti-Defamation League) التي تعتبر تقريبًا أي انتقاد للصهيونية أو لإسرائيل بأنه معادٍ للسامية، ومثل ‘مشروع شيما’ (Projet Shema) الذي تربط تدريباته بين العديد من الانتقادات المناهضة للصهيونية ومعاداة السامية”.
رقابة المناهج وأعمال أبرز الأكاديميين
كما وافقت الجامعة على تعيين مراقب “مستقل” لمتابعة مدى التزام الأساتذة والطلبة بالسلوك المسموح به، وهو مراقب ينتمي إلى شركة نظّمت في جوان 2025 تكريما لإسرائيل. ووفقًا للاتفاق المبرم بين جامعة كولومبيا وإدارة ترامب، سيكون لهذا المراقب ‘حق الوصول في الوقت المناسب إلى جميع الأشخاص المعنيين بالاتفاق من أجل التحدث إليهم، وزيارة جميع المرافق، والتدريبات، ومحاضر الاجتماعات، والجلسات التأديبية، وكذلك التقييمات المرتبطة بالاتفاق’. ومن الواضح أن قاعات الدروس ليست مستثناة من هذه الزيارات المحتملة من قِبل هؤلاء الأشخاص الذين لا ينتسبون إلى الجامعة.
إن فكرة أن تُخضع عملية التدريس والمناهج وأعمال البعض من أبرز الأكاديميين لرقابة نائب رئيس الجامعة، أو “مدرّبين” من هذا النوع، أو مراقب خارجي تابع لمثل هذه الشركة، هي فكرة بغيضة. إنها تمثّل نقيضًا تامًا للحرية الأكاديمية التي تزعمون -زورًا- أنها لن تُنتهك جراء هذا الاستسلام المُخزي أمام القوى المعادية للفكر التي تحرك إدارة ترامب”.
إحتجاجات الجامعات الأمريكية: “لا شك أن هذا الجيل يمتلك رؤية مختلفة للمسألة الفلسطينية”
يؤسفني جدًا أن قرارات جامعة كولومبيا أجبرتني على حرمان ما يقرب من 300 طالب مسجّلين في هذا المقرر الشهير – كما فعل مئات من الطلبة على مدى أكثر من عقدين– من فرصة دراسة تاريخ الشرق الأوسط الحديث هذا الخريف. ورغم أنني لا أستطيع تعويضهم بشكل كامل عن حرمانهم من متابعة هذا المقرر فإنني أنوي تنظيم سلسلة من المحاضرات العامة في نيويورك مخصّصة لبعض جوانب هذا المقرر. وسيتم بثّها عبر الإنترنت وإتاحتها لاحقًا للمشاهدة. وسيتم التبرع بأيّ أرباح محتملة إلى جامعات غزة، التي دُمّرت جميعها على يد إسرائيل باستخدام ذخيرة أميركية، وهو ما يمثّل جريمة حرب لم ترَ جامعة كولومبيا ولا أي جامعة أميركية أخرى ضرورة للتعليق عليها.
إن استسلام جامعة كولومبيا أدى إلى تحويلها من مؤسسة كانت في يوم من الأيام فضاءً للبحث الحرّ والتعلّم إلى نقيض الجامعة، إلى كيان فاقد لرسالته، وإلى منطقة مغلقة ‘آمنة’ محاطة بسياج مع المراقبة الإلكترونية على الدخول، وإلى مكان يسوده الخوف والاشمئزاز حيث يُملَى على الأساتذة والطلبة من فوق ما يجوز لهم تدريسه أو قوله تحت طائلة عقوبات صارمة. إنه لأمر مخزٍ.
وكل ذلك لا هدف له سوى التستّر على أحد أعظم الجرائم في هذا القرن: الإبادة الجماعية الجارية في غزة، وهي جريمة صار قادة جامعة كولومبيا الآن متورطين فيها بالكامل.
فتحية إلى الأستاذ رشيد الخالدي الذي لا يخشى تسمية الأمور بمسمياتها في وقت عزّ فيه الموقف الصريح داخل المؤسسات الأكاديمية الغربية.