تدميرٌ ممنهج للمدرسة!
“بعد 24 سنة عملا كأستاذ للتعليم المتوسط؛ لازلت أحتفظ بأسماء طلبتي الذين تركوا أثرا في حياتي ولازالت كلمة “الشّيخ” تحدث إيقاعا جميلا في نفسي، بعدها بدأت أشعر بانحدار ورتابة في علاقتي بالتلاميذ، ولم أعد أذكر إلّا عينات تتميز بالتّفوق والانضباط”… هذا ما قاله الشّاعر الدكتور بشير ضيف الله، وهو يشخِّص الحالة المأساوية التي آلت إليها المدرسة الجزائرية.
ما حدث في المدرسة الجزائرية خلال العشريتين الماضيتين يستدعي وقفة مطوّلة، والأمر أكبر من كثافة البرامج أو الحجم الساعي أو غيرها من الجوانب التّنظيمية، إنّما الذي حدث هو تدميرٌ ممنهج أتى على العلاقة المقدسة بين الطّالب وأستاذه، ثم تم ضرب قيمة المعلم والأستاذ في المجتمع فأصبح أبسط متسرِّب من المدرسة أحسن حالا من الموظف في قطاع التربية.
إنّ المشاهد التي تُسجَّل أمام المؤسسات التربوية مع نهاية الموسم الدراسي، تؤكد أن المدرسة لم تعد تقوم بوظيفتها في التربية؛ ذلك أنّ التلميذ الذي يقوم بتمزيق الكتب والكراريس ويقذف مؤسسته وأساتذته بالبيض والحجارة، يؤكد فشل المدرسة في مهمتها إلى حد ما، والواجب هو التحرُّك لدراسة الظاهرة وتحليلها والوقوف على أسبابها قبل أن تنتشر في كل المدارس وفي كل الجهات من الوطن.
لقد التحق خلال السنوات الأخيرة عددٌ كبيرٌ من خريجي الجامعات الذين هم في الأصل منتج المدرسة الجزائرية بعد تطبيق ما اصطلح عليه بـ”إصلاحات” بن زاغو، واللافت أن هؤلاء أصبحوا أغلبية بسبب القرار المشؤوم الذي اتُّخِذ سنة 2016، ودفع بعشرات الآلاف من خيرة الأساتذة والخبراء في حقل التربية إلى طلب التقاعد المسبق قبل توقيف العمل به، وبعدها تم تنظيم مسابقات توظيف كبرى لمواجهة هذا النزيف التاريخي.
وفي المحصلة، أصبحت نسبة كبيرة من الأساتذة في مختلف مراحل التعليم من الملتحقين الجدد الذين لم يتلقُّوا تكوينا بيداغوجيا كافيا للقيام بعملية التدريس فضلا عن المستوى العامّ لهذه الفئة باعتبارها منتجا للإصلاحات التربوية، ولم تُتح لهم فرصة الاحتكاك والاستفادة من الخبراء في الحقل التربوي الذين أرغمتهم القرارات العشوائية على التقاعد وهم في عز عطائهم العلمي.
ويمكن تأكيد هذا الكلام بزيارة المؤسسات التربوية، خاصة الجديدة منها، والوقوف على المشاكل التي تحدث بسبب نقص كفاءة بعض الأساتذة الجدد الذين غالبا ما يصطدمون مع التلاميذ النجباء الذين لا يقتنعون بما يقدَّم لهم في القسم بعد مقارنته بما يجدونه في الدروس الخصوصية، فتنشأ بذلك مشاحناتٌ كبيرة.
هو تشخيصٌ أوّلى لحالة المدرسة يحتاج إلى فتح نقاش عامّ يشارك فيه الباحثون في علوم التّربية والنفس والأنثروبولوجيا وغيرها من التخصُّصات ذات العلاقة بالشأن التّربوي من أجل تشخيص سليم لأزمات المدرسة الجزائرية والخروج بحلول وإصلاحات جذرية.