تسمية القط قطًا وليس نمرًا؟ !
نخبنا، سياسيينا، وطبقتنا المثقفة غير دقيقة في استعمال، واستغلال أو توظيف العديد من المصطلحات؛ إن كان أحيانا هذه المصطلحات قانونا لا يقبل الاجتهاد، أو حتى التأويل شبرا.والأمثلة عديدة، وبالأخص في موسم الانتخابات والمزايدات السياسية، المهم إرضاء الضمير والجماهير ولو على حساب القيم والثوابت!
فأحيانا يتوهم البعض أن البرلمان الحالي بمثابة مجلس تأسيسي، وإن كانت بين المصطلحين سياسيا وقانونيا فوارق شاسعة، ولا يمكن اجراء عليهما لا قياسات ولا اجتهادات لاختلاف في المهام والتفويض والمهام، فالأول كاشف، والثاني مؤسس للسلطات، وعليه الدقة والانضباط مطلوبة، وبالأخص لما تصدر من موظف سام، الذي يفترض فيه تطبيق القانون بكل حرفتيه، وصرامته.. وغير قابل للتأويل.
كذلك البعض يريد أن يقحم النواب، ويجعلهم تابعين، بالمطالبة إما للإذغان أو الاستقالة، وإن كان الموظف العمومي عامة يصنف بين نوعين من الوظائف، منها التي تأتي بالتعيين، وهي تابعة للسلطة المعينة له، والاخرى الانتخابية والتي تستمد شرعيتها من القاعدة الشعبية المنتخبة له.
لذلك، لا يجب أن ندخل القناعات السياسية والمواقع، وتطويع القانون على حسابها، وإن كان يفترض العكس من ذلك، وهو أن القانون يطوع هذه القناعات.. وليس العكس كما هو حاصل في العديد عن الميادين!!
أما الإشكالية الأخرى، فإن التزوير قد لا يحارب ببرلمانات موازية، أو شعبية، أو بديلة، فكلها اجراءات شكلية وشعبوية، فما دام قبلنا اللعبة ومخاطرها فيجب أن لا ندخل بعقلية “نلعب أو نحرم”.. وما أكثرها في المعارضة، أو خارجها ..!!!
فمفهوم الخدمة العمومية، واستمرارية الدولة هو ثقافة معدومة وغير موجودة أصلا في دواليب الدولة، لذلك العديد يعلن قرارات “اعلامية”، غير موجودة إلا عبر الأعمدة الصحفية، والنشرات الإخبارية، للتسويق السياسوي والهرولة في “الحفاظ” على الأماكن أو حجزها مستقبلا، وما أكثرهم في جزائر بعد الانتخابات.
لذلك، حتى البعض لم يعد يفرق بين المشاركة والمعارضة في الدولة، أو أنه إن كان خارج السلطة قد لا يعني بالضرورة المعارضة، رغم انتقاده للسلطة، وذلك سراب آخر.. أو اتهامها بالعديد من النعوت أقلها التزوير.. فعملية “تذويح” الناس غير مجدية، فالكل يعلم أن الطلاق “مر” وبالأخص إذا كان الاستمتاع بامتيازات السلطة قد عوض مفهوم المناضل الى “مناضل موظف” مما يجعل الفرق حادا..
فهذه العينات حية، ومتجددة حسب توجهات السطلة المتغيرة، لذلك على الكل أن يجتهد ويحاول أن يسمي الاشياء بمسمياتها، ولا يحاول اتخاذ سياسة اللف والدوران، فمثلا تجسيد سياسة “طاب جنانو” الكل ينتظرها! مما تعني من تجديد للطبقة السياسية، والتشبيب والقطيعة، فلا نريد قطعيع مع الاستمرارية، ولكن قطيعة بمفهوم الكلمة، وشمول عبارة طاب جنانو، وما تحمله من مدلولات قيمية، وقانونية وسياسية..
فالوقت جدير بالإجابة عن هذه السياسات والخطابات… إن كانت قناعات أم ظاهرة فقط لا يصدقها لا القلب ولا العمل؟!
وأخيرا، بقدر ما إحدثت هذه الانتخابات صعقة كهربائية، وارتدادات، على الطبقة السياسية بإفراز ليس خريطة سياسية جديدة، بقدر ما أفرزت حالة للعبة شطرنج جديدة، ننتظر منها الوضوح في المواقف والابتعاد من سياسات الغموض والضبابية في التعامل مع الشعب.. فحتى الاستقراءات العددية توحي بذلك!! فلنقل للكل من معارضة وسلطة، قليلاُ من التواضع مع الشعب، وذلك بعدم تدويخه، أو استغفاله بمصطلحات ومسميات قد توسع الهوة وتؤدي للاختلالات على المدى البعيد في مفهوم الدولة، والسلطة وعلاقتها بأفراد الشعب..
فقليل من التواضع بعدم التضخيم أو التقزيم لمواقف البعض دون البعض، ولكن إعطاءها حقها الحقيقي ووزنها المتعارف عليها بدون استعمال المنشطات الديمقراطية منها، ولنسمي الأشياء بمسمياتها، فالقط قط ولو ضعف أو تقوى.. والفاهم يفهم.