الرأي

تشبيب الحكومة في انتظار تحديث الدولة

حبيب راشدين
  • 4836
  • 5

في انتظار أن يحرك البرلمان الجديد قطار الإصلاحات وتحديث الدولة، أصبح لزاما على الرئيس أن يطمئن المواطنين بتشكيلة حكومية تفي بمهمتين: بداية نقل القيادة إلى الشباب، والقطيعة مع اقتصاد البازار بصياغة مشروح تنموي قيادي يحضر البديل لما بعد نضوب النفط.

مهما كانت الإرادة التي رتبت لتشكيلة البرلمان على ما أصبح عليه، فإن الوقت ضيق ومحسوب للطرفين اللذين استفادا من نتائج الاستحقاق، وأعني بهما رئيس الجمهورية، الذي وضع كل ثقله في الميزان على غير العادة، وجبهة التحرير التي عادت لموقع لا يختلف كثيرا عن موقع الحزب  الأوحد  في  مشهد  سياسي  مفكك  الأوصال .

فالرئيس الذي عرض علينا رزمة الإصلاحات الأولى بكثير من الفتور، وكأنها لم تكن إصلاحاته، ثم ترك البرلمان يعبث بها كيفما شاء حتى أفرغها من محتواها، مطالب اليوم بتحقيق ما عجز عنه طوال عهدتين ونصف العهدة، وقد توفرت له الفرصة مع تفرد جبهة التحرير التي ينتمي إليها ويرأسها، بأغلبية مريحة في البرلمان الجديد، ووجود أكثر من طرف قد يتحالف مع الحزب العتيد لتمرير إصلاحات ذات شأن، هي وحدها التي سوف يذكرها التاريخ للرئيس، وليس أي نجاح يكون قد حققه في مجال آخر.

فالرئيس مطالب هذه المرة بتشكيل حكومة مشبعة بروح الإصلاح والتغيير، تكون أكثر تجانسا وانسجاما من أية حكومة سابقة، دون الالتفات إلى تشكيلة البرلمان، ما دام الدستور الحالي لا يلزمه بالعودة إلى البرلمان.

.

فرصة الإصلاح التي “حرم” منها الرئيس

لم يكن خفيا منذ بداية العهدة الأولى معارضة رئيس الجمهورية لدستور 89 وللنظام المختلط شبه الرئاسي، وأنه قد وجد بلا شك معارضة لا تقاوم من داخل القوى النافذة في النظام، ومن قبل أغلبية القوى السياسية التي تدين بالكثير لدستور 89.

وفي كل الأحوال فإن الرئيس قد تصرف خلال العقد الماضي وكأنه رئيس في نظام رئاسي صرف، تعامل بكثير من التجاهل مع البرلمان، وساعده في ذلك ضعف تشكيلاته المتعاقبة، التي كان من السهل استرضاء شخوصها ببعض الامتيازات، ولم يكن الرئيس مستاء من تدهور صورة البرلمان لدى الرأي العام، إذا لم يكن قد اشتغل على إضعافها والتشويش عليها، وهي الصورة التي سوف تلازم التشكيلة الحالية ما لم يبادر الرئيس إلى إنقاذه بإشراكه في إصلاح سياسي لنظام الحكم ومؤسسات الدولة، ما دام الإصلاح ممكنا بالطرق السلمية، وبعيدا عن الفوضى والتدخل الأجنبي.

.

تشغيل الشباب قبل تشبيب القيادة

فالفرصة إذن سانحة لإدخال تعديلات في العمق على الدستور، تنصرف إلى الفصل نهائيا في طبيعة النظام، والخروج من قالب النظام المختلط، المقتبس عن النظام الفرنسي بجميع مساوئه، وصرف النظر عن النظام البرلماني الذي كانت تدعو إليه أغلبية الأحزاب، وهي لا تعي مساوئه ومطباته في بلد ناشئ، لم تستقر فيه الديمقراطية، كما لم تتشكل فيه قوى سياسية قادرة على التداول على السلطة ببرامج حكم ذات مصداقية.

تحريك قطار الإصلاحات يبدأ بتشكيل حكومة حاملة لمشروع إصلاحي يواكب الإصلاحات السياسية برزمة من الإصلاحات في محاور ثلاث.

محور التشغيل: الذي يؤرق البلد أكثر من أي ملف آخر، لأنه يعني شريحة واسعة من الشباب لم تعد قادرة على التحمل والصبر، بمراجعة المقاربات التقليدية التي كانت تعول على آليات اقتصاد السوق أو على التوظيف الإداري، وفشلت في مواكبة سرعة تدفق الشباب المتعلم إلى سوق العمل.

محور القدرة الشرائية التي تشهد اختلالا فظيعا، ترك شريحة واسعة من المواطنين على حافة الفقر، خاصة من الذين يقتاتون على عوائد غير منتظمة من السوق الموازية، أو هم خارج نظام الشغل الدائم في القطاعين العمومي والخاص.

وأخيرا محور السكن الذي يحتاج إلى نظام أكثر عدلا وانضباطا في التوزيع، أو البحث عن نظام لدعم الاستئجار بدلا من التملك، قد يشجع الاستثمار الخاص على المشاركة في حركة البناء التي هي اليوم حكرا على الدولة.

.

الخروج الآمن من اقتصاد البازار

غير أن هذه الملفات العاجلة لا تعفي الحكومة القادمة بإعادة النظر في السياسة الاقتصادية المنتهجة حتى الآن، بعد أن أنفقنا أكثر من عقدين في الدوران داخل حلقة مفرغة وخيارات فاسدة، فككنا بموجبها قاعدة الاقتصاد العمومي دون أن ننجح في بناء اقتصاد السوق، وانتهينا إلى ما يشبه اقتصاد البازار الذي يعيش مثل الطفيليات على الريع النفطي.

وعلينا أن نسلم أن عشرين سنة من اقتصاد السوق والانفتاح على القطاع الخاص، والمراهنة على الاستثمار الأجنبي، لم ينجح في بناء قطاع خاص قادر على قيادة الاقتصاد، منتج للثروة ولمناصب الشغل، مؤهل لتصور وإدارة تنمية مستدامة للبلد، تخرجه في أجل مسمى من التخلف، وأنه حتى لو وجدت نواة له، لها هذه المواصفات، فإن نظامنا السياسي والمالي، والجبائي، والإداري، غير مؤهل لإنتاج البيئة المناسبة لتحقيق التنمية، وإنتاج الثروة، فضلا عن غياب رؤية وطنية لما هو متاح لبلد مثل بلدنا، محكوم عليه بالبحث عن بديل عاجل للمحروقات كمصدر لتمويل الدولة والتنمية في آن واحد.

.

البحث عن محرك بديل للتنمية المستديمة

في مقالين سابقين لاندلاع الربيع العربي، بينت كيف أن التقسيم الدولي للعمل، وتراكم مفردات التخلف، قد استبعدنا كعرب من المنافسة في سوق التقنيات العالية والخدمات، التي هي اليوم حكرا على الدول الغربية، كما أبعدنا من المنافسة في سوق الإنتاج الصناعي، الذي انتقل إلى الدول الناشئة في آسيا وأمريكا الجنوبية، ولم يعد أمامنا من فرص للمشاركة سوى في حقلين، ما تزال المنافسة فيهما مفتوحة: حقل الصناعات والأنشطة المرتبطة بالطاقات البديلة وعلى رأسها الطاقة الشمسية، وحقل الإنتاج الزراعي، إذا نحن نجحنا في معالجة شح المياه بتوطين الصناعات والتقنيات المستعملة في تحلية المياه على نطاق واسع، وهي حقول مرتبطة متناغمة، قادرة على أن توفر للبلد محركا هائلا لاقتصاد والتنمية

المستديمة، توفر من المنبع إلى المصب مئات الألوف من مناصب الشغل، قارة على استقطاب استثمارات أجنبية بمئات المليارات من الدولارات.

في التقسيم العالمي للعمل وإنتاج الثروة، ليس مهما ماذا تنتج أو تصنع، وليس مهما أن تصنع وتنتج كل شيء في عالم مفتوح على المنافسة، إنما المهم هو هل تصنع منتجا أو خدمة قادرين على التنافس بكفاءة، يوفران لك مدخولا كافيا لاستيراد ما لا تنتجه. فقد استمر الصينيون في تصنيع وتصدير مليوني قميص لتحصيل عوائد تكفي لشراء طائرة إيرباص واحدة، فنافسوا بما كان متاحا لهم. ونحن مقبلون على زمن فيه استجاعة رهيبة للطاقة، مع توجه عالمي نحو تنمية الطاقات البديلة، ونحن مقبلون على زمن يتعاظم فيه الطلب على الغذاء مع تراجع متواصل في مستويات الإنتاج.

.

200 مليار لصناعة بديل عاجل للنفط

من باب الإنصاف ينبغي أن نحسب لصالح الرئيس بوتفليقة إخراجه البلاد من دائرة المديونية، وبناء رصيد احتياطي من العملة الصعبة، قدره البنك العالمي بأكثر من 215 مليار دولار مع نهاية سنة 2013، وبالنظر إلى حالة الفساد المستشري في جسم الدولة، وغياب رؤية سليمة للتنمية، فإن الإجراء قد يقرأ على أنه كان نوعا من الحماية لهذه الأموال من الافتراس والإنفاق المبتذل.

غير أن البلد اليوم بحاجة إلى الانتفاع بهذه الأموال، المجمدة اليوم في النظام المصرفي الغربي، أو في السندات الحكومية الأمريكية والأوروبية، وأن الإسراع بتوظيفها في مشروع قومي، مؤسس لتنمية مستدامة، تقوم على الطاقات البديلة: صناعة وإنتاجا، ليس فيه أدنى مجازفة، وهو فوق ذلك من أفضل الخيارات لتوظيف عوائد المحروقات والتحضير لما بعد نضوبها، في أجل لا يزيد عن ربع قرن وفق أكثر التقديرات تفاؤلا.

.

ثقافة جديدة لمراجعة وظائف الدولة

غير أنه، وحتى مع اعتماد البلد لمشروع تنموي قيادي، مثل الذي وصفته، أو أي مشروع قيادي آخر قد تتصوره الحكومة، فإننا بحاجة إلى التفكير في مراجعة عميقة لوظائف الدولة، خارج وظائفها الملكية التقليدية: في الأمن، والجباية، والعدالة. فقد انتقلنا في التسعينيات من القرن الماضي، من الدولة المهيمنة على جميع أوجه الحياة، المدبرة لكل شيء، المقاول والمسير الأوحد في ظل الاقتصاد الموجه، إلى دولة عاجزة عن تطوير آليات توجيه اقتصاد السوق، والوفاء بدور ترقية مناجم الجباية، التي هي المصدر الوحيد لتمويل نشاط الدولة في الدولة الحديثة، وما زلنا بعد عقدين من الزمن نعتمد بنفس النسبة على العوائد الجبائية من المحروقات، رغم المليارات التي صرفت بسخاء سواء لصالح إعادة هيكلة القطاع العام، أو لفائدة القطاع الخاص.

قد لا يتسع المجال هنا للتفكير بصوت عال في ما ينبغي أن تكون عليه وظائف الدولة، وعلى رأسها توظيف سلطاتها في المالية والجباية والتشريعية لتوسيع قاعدتها الجبائية، فإني سوف أتوقف عند نموذج يكشف لنا الفرق بين السلوك السليم والسلوك الخاطئ.

لقد أنفقت الدولة من المال العام قرابة 11 مليار دولار لتشييد الطريق السريع شرق -غرب. ودون الدخول في مماحكة حول الكلفة أو أولوية المشروع، فقد كان بوسع الدولة أن تخصص عشر المبلغ لتمويل بناء خمسين مقاولة أشغال من الحجم الكبير، برأسمال لا يقل عن عشرين مليون دولار لكل مقاولة، تكون قادرة على توظيف آلاف المهندسين، وعشرات الألوف من العمال الجزائريين، وتكوين حظيرة وطنية هائلة من العتاد، لإنجاز الطريق بأقل كلفة ممكنة، وإنتاج فائض قيمة محلي، والخروج من المشروع بخمسين مؤسسة أشغال مؤهلة للتكفل بمشاريع أخرى، بل ومؤهلة لتصدير خدماتها لدول الجوار، بدل الاستعانة مجددا بالمقاولات الصينية واليابانية في المشاريع المماثلة التي تطالب بها بعض المناطق.

.

التأسيس الدستوري لنقل القيادة للشباب

أوردت هذا المثل لأشير إلى أن واحدا من أهم وظائف الدولة الحديثة، هو توظيف جانب من المال العام، وسلطتها الملكية في الجباية وفي توجيه النظام المصرفي، توظيفها في بناء مؤسسات ومقاولات عامة وخاصة ومختلطة، ومنحها الأفضلية في الصفقات العمومية، لأن التنمية المستديمة لن ينجزها سوى أبناء البلد، حين تثق فيهم الدولة، وتراهن عليهم وعلى الزمن، مع منحهم حق التعلم والحق في الخطأ، وهي بذلك تساعد نفسها بتوسيع قاعدتها الجبائية من جهة، كما تساهم في تطوير الأدوات التي تسمح لها بالاستجابة للمحورين الملحين المنوه بهما أعلاه: توسيع قاعدة التشغيل، وتحسين القدرة الشرائية.

بقي أن نتوقف أخيرا عند الحكم الذي صدر عن الرئيس بشأن الجيل الذي “طاب جنانو” كما قال، وهو محق في التوصيف، الذي يفترض أن يتبع بإجراءات ملموسة تهيئ البلد لنقل القيادة إلى الجيل الشاب. وفي انتظار الإصلاحات السياسية التي تعيد تشكيل الدولة، وتؤسس لآليات دستورية وتشريعية، تنظم تداول الأجيال على السلطة، فإنه بوسع الرئيس أن يوجه للبلد رسالة قوية في هذا الاتجاه حين يشرع في تشكيل الحكومة الجديدة، بأن يتوجه إلى إطارات الدولة الشابة، ويمنحها فرصة القيادة والاستفادة من خبرته في ما بقي من عهدته الثالثة، ثم يضغط بكل ما يملك من سلطة وتأثير من أجل حمل البرلمان على صياغة إصلاحات سياسية تجعل من ملف نقل القيادة إلى الجيل الشاب قاعدة مشتركة في إعادة بناء مؤسسات الدولة.

مقالات ذات صلة