تشويه الرموز وأسْر المشروع.. لم يبق إلا بن عودة!
لم يبقَ لنا مسؤول تاريخي ولا شخصية وطنية إلا وسَعى البعض إلى تشويهها بطريقة أو بأخرى، بل إننا نكاد نفتقد اليوم لرمزٍ من الرموز الوطنية نلتفّ حوله ونصوغ من خلاله مشروعا للمستقبل، من الأمير عبد القادر إلى آخر من بقوا أحياء من لجنة الـ22 التي فجرت ثورة التحرير المظفرة المجاهد عمار بن عودة. الجميع بدون استثناء إن لم يتم تخوينهم يتم قتلهم وهم أحياء. هل هي صدفة عمياء؟ أم سياسة مخططة لتشويه الرموز وأسْر المشروع؟
تعتني الشعوب والأمم برموزها التاريخية إلى درجة أن تُنَزِّههم من العيوب وتُقدِّمهم إلى الأجيال كصنفٍ من البشر نادر الوجود، إن كان ذلك في الجانب البطولي التاريخي أو الفكري، أو في جانب صوغ المشروع السياسي وبناء المستقبل. نحن على خلاف ذلك، نُكرِّس في كُتبنا المدرسية وغير المدرسية فكرة استسلام مؤسس الدولة الجزائرية الأمير عبد القادر، وخيانة أبي حركتها الوطنية مصالي الحاج، وانحراف منظّر ثورتها التحريرية عبّان رمضان! وبدل أن نُرسِّخ في أذهاننا بطولات أجدادنا وآبائنا، ونتغاضى عن نقائصهم وهفواتهم كبشر يُصيبون ويُخطئون، نكاد نُرسِّخ فقط تلك الصور التي تذكرنا بالصراعات والاقتتال والتناحر، وأحيانا نزهو بأننا نَعرف ذلك ونُسهِب ونُطيل ونحن نشرح ذلك… هذا سَجَنَ هذا، وهذا تآمر على هذا، وهذا قَطع رأس هذا، وهذا اغتال هذا أمام مرأى الجميع، حتى لم يبق لدينا أحدٌ يَصنع الإجماع ويُوحّد القلوب ويملؤنا فخرا واعتزازا.
بدل أن نُرسِّخ في أذهاننا بطولات أجدادنا وآبائنا، ونتغاضى عن نقائصهم وهفواتهم كبشر يُصيبون ويُخطئون، نكاد نُرسِّخ فقط تلك الصور التي تذكرنا بالصراعات والاقتتال والتناحر، وأحيانا نزهو بأننا نَعرف ذلك ونُسهِب ونُطيل ونحن نشرح ذلك…
لا أجد جوابا عن هذه الأسئلة سوى أننا لم ندرك بعد حجم “المشروع” الاستعماري المضاد الذي عمل جاهدا ومازال يعمل لكي نصل إلى هذه الحال ونُمنَع حقا من أن نكون أمّة كبيرة من الأمم لها تاريخها المجيد ورجالها الأفذاذ الذين كانوا ومازالوا قادرين على صناعته مرة أخرى…
لم نُدرك أن خلف هذا الاستصغار لشعبنا ولسياسيينا ولمواطنينا ولمشروعنا الوطني سياسة مضادّة لم تتوقف عن ارتداء كل يوم ثوب جديد حتى لا نرى أصغر من وزرائنا ومن قادة أحزابنا ومن مثقفينا وعلمائنا وشبابنا وكل ما يرمز لقوة هذا الوطن الذي يُفترض أن لا يقوده سوى من كانوا في مستوى من صنعوا أمجاده الحقيقية.
ولعلنا لم ندرك أيضا أن استمرار إهانة مسؤولينا فضلا عن مواطنينا، وزوال هيبتنا كأمة لها تاريخ إنما هو جزء من هذه السياسة التي ما فتئت تُنفّذ بإحكام لتمنع عنّا أي محاولة للنهضة وأي إمكانية لصوغ مشروع مستقبلي يكون في مستوى الدور الذي لعبته بلادُنا عبر تاريخها العريق من نوميديا ركيزة المغرب الأوسط، إلى حضارة الأندلس التي أوصل عالمها البربري المسلم ابن رشد المنهج العقلي إلى الغرب من خلال تأثيره في جامعتي باريس وأكسوفرد الناشئتين في تلك الفترة، إلى أسطولها التاريخي الذي دافع بكل قوة عن كرامة أمتنا لأكثر من خمسة قرون وكانت تتودّد له حكومات أوروبا والبلاد الاسكندينافية وتسعى الولايات المتحدة الأمريكية لربط علاقات صداقة مع رياسه الكبار…
هل أبطالنا أقلّ تضحية من الأمريكيين الجنوبيين الذي جعلوا من “تشي غيفارا” ليس فقط رمزا كوبيا أو أرجنتينيا أو بوليفيا إنما رمزا عالميا؟ ألم يكن تشي جيفارا ممجدا لثورتنا التحريرية مُعجَبا برموزها التي مازال هناك من يتجّرأ على إهانتها اليوم؟
كل هذا يكاد اليوم يُصبح صغيرا مع ممثلين حكوميين استصغروا أنفسهم، ضعفت هامتهم، وهزلت أجسادهم، وأهانوا أنفسهم فسهُلت إهانتهم، وكل هذا يكاد لا يُذكر اليوم عندما تنزل تصريحات قيادات كانت مسؤولة ذات يوم، بمستوى النقاش الوطني إلى حد الخوض في جزئيات رجال تاريخيين قلة ممن مازالوا أحياء من أمثال العقيد عمار بن عودة. وكل هذا يؤكد لنا مسألة جوهرية ينبغي أن تبقى عالقة في أذهاننا: أن هناك من لم يُرد ولم يستطع إلى حدّ اليوم، وبعد أكثر من نصف قرن من استعادة استقلالنا، الاعتراف أن ثورتنا التحريرية كانت بالفعل ثورة شعبية حاملة لمشروع حضاري، ولم تكن فقط مجرّد حرب قام بها مجموعة من المغامرين انتهى بهم الأمر إلى التمزق والاقتتال وتشويه بعضهم البعض…
هي ذي الخلاصة التي ينبغي أن نصل إليها من خلال قراءة ما حدث ويحدث ببلادنا من تشويه للرموز ومحاولة لأسْر مشروعنا الوطني الذي كان بالفعل ذا بُعدٍ حضاري وينبغي أن يبقى.
وهي خلاصة بقدر ما تُصحِّح تاريخنا، ينبغي أن تَضَعنا في الطريق السليم لصناعة مستقبلنا.
إننا لا يمكن أن نصوغ مشروعنا التجديدي الحضاري المستقبلي دون أن نَمنع أنفسنا من الوقوع في فخ إحداث شروخ عميقة في قاعدة انطلاقنا الإستراتيجية من خلال تشويه رموزنا التاريخية والتشهير بنقائصها… كما أننا لا يمكن أن نَدَّعي بأننا اليوم بصدد بناء دولتنا الوطنية الجديدة إذا كنا نختار لرموزها السياسية مَن يهن فيسهل الهوان عليه، ومَن يجهل فيسهل السخرية منه، ومَن ينزل بشخصه إلى درجة أن يُصبح لا هو من أهل العزم الذي ينبغي أن تكون العزائم في مستواه، ولا هو من أهل الكرم الذي تأتي على يده المكارم، فيُمسي صغيرا، قزما، تَعظم في عينه الصغائر، ويَنسى أنه كبير ينبغي أن تصغر في عينه العظائم على حد قول المتنبي في قصيدته الشهيرة:
عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ
وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ
وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها
وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ