الرأي

تشويه الرموز وأسْر المشروع‮.. ‬لم‮ ‬يبق إلا بن عودة‮!‬

محمد سليم قلالة
  • 3029
  • 0

لم‮ ‬يبقَ‮ ‬لنا مسؤول تاريخي‮ ‬ولا شخصية وطنية إلا وسَعى البعض إلى تشويهها بطريقة أو بأخرى،‮ ‬بل إننا نكاد نفتقد اليوم لرمزٍ‮ ‬من الرموز الوطنية نلتفّ‮ ‬حوله ونصوغ‮ ‬من خلاله مشروعا للمستقبل،‮ ‬من الأمير عبد القادر إلى آخر من بقوا أحياء من لجنة الـ22‮ ‬التي‮ ‬فجرت ثورة التحرير المظفرة المجاهد عمار بن عودة‮. ‬الجميع بدون استثناء إن لم‮ ‬يتم تخوينهم‮ ‬يتم قتلهم وهم أحياء‮. ‬هل هي‮ ‬صدفة عمياء؟ أم سياسة مخططة لتشويه الرموز وأسْر المشروع؟

تعتني‮ ‬الشعوب والأمم برموزها التاريخية إلى درجة أن تُنَزِّههم من العيوب وتُقدِّمهم إلى الأجيال كصنفٍ‮ ‬من البشر نادر الوجود،‮ ‬إن كان ذلك في‮ ‬الجانب البطولي‮ ‬التاريخي‮ ‬أو الفكري،‮ ‬أو في‮ ‬جانب صوغ‮ ‬المشروع السياسي‮ ‬وبناء المستقبل‮. ‬نحن على خلاف ذلك،‮ ‬نُكرِّس في‮ ‬كُتبنا المدرسية وغير المدرسية فكرة استسلام مؤسس الدولة الجزائرية الأمير عبد القادر،‮ ‬وخيانة أبي‮ ‬حركتها الوطنية مصالي‮ ‬الحاج،‮ ‬وانحراف منظّر ثورتها التحريرية عبّان رمضان‮! ‬وبدل أن نُرسِّخ في‮ ‬أذهاننا بطولات أجدادنا وآبائنا،‮ ‬ونتغاضى عن نقائصهم وهفواتهم كبشر‮ ‬يُصيبون ويُخطئون،‮ ‬نكاد نُرسِّخ فقط تلك الصور التي‮ ‬تذكرنا بالصراعات والاقتتال والتناحر،‮ ‬وأحيانا نزهو بأننا نَعرف ذلك ونُسهِب ونُطيل ونحن نشرح ذلك‮… ‬هذا سَجَنَ‮ ‬هذا،‮ ‬وهذا تآمر على هذا،‮ ‬وهذا قَطع رأس هذا،‮ ‬وهذا اغتال هذا أمام مرأى الجميع،‮ ‬حتى لم‮ ‬يبق لدينا أحدٌ‮ ‬يَصنع الإجماع ويُوحّد القلوب ويملؤنا فخرا واعتزازا‮. ‬

‬بدل أن نُرسِّخ في‮ ‬أذهاننا بطولات أجدادنا وآبائنا،‮ ‬ونتغاضى عن نقائصهم وهفواتهم كبشر‮ ‬يُصيبون ويُخطئون،‮ ‬نكاد نُرسِّخ فقط تلك الصور التي‮ ‬تذكرنا بالصراعات والاقتتال والتناحر،‮ ‬وأحيانا نزهو بأننا نَعرف ذلك ونُسهِب ونُطيل ونحن نشرح ذلك‮… ‬

هل أبطالنا أقلّ‮ ‬تضحية من الأمريكيين الجنوبيين الذي‮ ‬جعلوا من‮ “‬تشي‮ ‬غيفارا‮” ‬ليس فقط رمزا كوبيا أو أرجنتينيا أو بوليفيا إنما رمزا عالميا؟ ألم‮ ‬يكن تشي‮ ‬جيفارا ممجدا لثورتنا التحريرية مُعجَبا برموزها التي‮ ‬مازال هناك من‮ ‬يتجّرأ على إهانتها اليوم؟ ما الذي‮ ‬جعل بيوتنا تكاد تخلو من‮  ‬صور زعمائنا التاريخيين،‮ ‬لولا تلك القلة من الأوفياء الذين مازالوا‮ ‬يصرون على إخلاصهم وحبهم‮  ‬لـ”بن مهيدي‮” ‬وهو مبتسم لجلاّديه،‮ ‬أو‮ “‬بومدين‮” ‬وهو‮ ‬يحتضن والدته،‮ ‬أو‮ “‬مصالي‮ ‬الحاج‮” ‬بلباسه الأصيل وهو‮ ‬يُمسك تراب الجزائر بيده،‮ ‬أو‮ ‬غيرهم من الزعماء التاريخيين أو العلماء الذين وضعوا الأسس الصلبة لجزائرنا اليوم وغدا؟ ما الذي‮ ‬جعلنا ننقسم حول رموزنا التاريخية والعلمية والثقافية ونعتبر ذلك خاصية ولازمة لنا وكأننا هكذا وُجدنا لنكون متخاصمين باحثين عن عيوب بعضنا البعض‮ ‬غير قادرين على الاتفاق حول رمز،‮ ‬فما بالك حول فكرة أو مشروع وطني‮ ‬نتميّز به عن‮ ‬غيرنا؟

لا أجد جوابا عن هذه الأسئلة سوى أننا لم ندرك بعد حجم‮ “‬المشروع‮” ‬الاستعماري‮ ‬المضاد الذي‮ ‬عمل جاهدا ومازال‮ ‬يعمل لكي‮ ‬نصل إلى هذه الحال ونُمنَع حقا من أن نكون أمّة كبيرة من الأمم لها تاريخها المجيد ورجالها الأفذاذ الذين كانوا ومازالوا قادرين على صناعته مرة أخرى‮…‬

لم نُدرك أن خلف هذا الاستصغار لشعبنا ولسياسيينا ولمواطنينا ولمشروعنا الوطني‮ ‬سياسة مضادّة لم تتوقف عن ارتداء كل‮ ‬يوم ثوب جديد حتى لا نرى أصغر من وزرائنا ومن قادة أحزابنا ومن مثقفينا وعلمائنا وشبابنا وكل ما‮ ‬يرمز لقوة هذا الوطن الذي‮ ‬يُفترض أن لا‮ ‬يقوده سوى من كانوا في‮ ‬مستوى من صنعوا أمجاده الحقيقية‮.‬

ولعلنا لم ندرك أيضا أن استمرار إهانة مسؤولينا فضلا عن مواطنينا،‮ ‬وزوال هيبتنا كأمة لها تاريخ إنما هو جزء من هذه السياسة التي‮ ‬ما فتئت تُنفّذ بإحكام لتمنع عنّا أي‮ ‬محاولة للنهضة وأي‮ ‬إمكانية لصوغ‮ ‬مشروع مستقبلي‮ ‬يكون في‮ ‬مستوى الدور الذي‮ ‬لعبته بلادُنا عبر تاريخها العريق من نوميديا ركيزة المغرب الأوسط،‮ ‬إلى حضارة الأندلس التي‮ ‬أوصل عالمها البربري‮ ‬المسلم ابن رشد المنهج العقلي‮ ‬إلى الغرب من خلال تأثيره في‮ ‬جامعتي‮ ‬باريس وأكسوفرد الناشئتين في‮ ‬تلك الفترة،‮ ‬إلى أسطولها التاريخي‮ ‬الذي‮ ‬دافع بكل قوة عن كرامة أمتنا لأكثر من خمسة قرون وكانت تتودّد له حكومات أوروبا والبلاد الاسكندينافية وتسعى الولايات المتحدة الأمريكية لربط علاقات صداقة مع رياسه الكبار‮…‬

‬هل أبطالنا أقلّ‮ ‬تضحية من الأمريكيين الجنوبيين الذي‮ ‬جعلوا من‮ “‬تشي‮ ‬غيفارا‮” ‬ليس فقط رمزا كوبيا أو أرجنتينيا أو بوليفيا إنما رمزا عالميا؟ ألم‮ ‬يكن تشي‮ ‬جيفارا ممجدا لثورتنا التحريرية مُعجَبا برموزها التي‮ ‬مازال هناك من‮ ‬يتجّرأ على إهانتها اليوم؟

كل هذا‮ ‬يكاد اليوم‮ ‬يُصبح صغيرا مع ممثلين حكوميين استصغروا أنفسهم،‮ ‬ضعفت هامتهم،‮ ‬وهزلت أجسادهم،‮ ‬وأهانوا أنفسهم فسهُلت إهانتهم،‮ ‬وكل هذا‮ ‬يكاد لا‮ ‬يُذكر اليوم عندما تنزل تصريحات قيادات كانت مسؤولة ذات‮ ‬يوم،‮ ‬بمستوى النقاش الوطني‮ ‬إلى حد الخوض في‮ ‬جزئيات رجال تاريخيين قلة ممن مازالوا أحياء من أمثال العقيد عمار بن عودة‮. ‬وكل هذا‮ ‬يؤكد لنا مسألة جوهرية‮ ‬ينبغي‮ ‬أن تبقى عالقة في‮ ‬أذهاننا‮: ‬أن هناك من لم‮ ‬يُرد ولم‮ ‬يستطع إلى حدّ‮ ‬اليوم،‮ ‬وبعد أكثر من نصف قرن من استعادة استقلالنا،‮ ‬الاعتراف أن ثورتنا التحريرية كانت بالفعل ثورة شعبية حاملة لمشروع حضاري،‮ ‬ولم تكن فقط مجرّد حرب قام بها مجموعة من المغامرين انتهى بهم الأمر إلى التمزق والاقتتال وتشويه بعضهم البعض‮…‬

هي‮ ‬ذي‮ ‬الخلاصة التي‮ ‬ينبغي‮ ‬أن نصل إليها من خلال قراءة ما حدث ويحدث ببلادنا من تشويه للرموز ومحاولة لأسْر مشروعنا الوطني‮ ‬الذي‮ ‬كان بالفعل ذا بُعدٍ‮ ‬حضاري‮ ‬وينبغي‮ ‬أن‮ ‬يبقى‮.‬

وهي‮ ‬خلاصة بقدر ما تُصحِّح تاريخنا،‮ ‬ينبغي‮ ‬أن تَضَعنا في‮ ‬الطريق السليم لصناعة مستقبلنا‮.‬

إننا لا‮ ‬يمكن أن نصوغ‮ ‬مشروعنا التجديدي‮ ‬الحضاري‮ ‬المستقبلي‮ ‬دون أن نَمنع أنفسنا من الوقوع في‮ ‬فخ‮  ‬إحداث شروخ عميقة في‮ ‬قاعدة انطلاقنا الإستراتيجية من خلال تشويه رموزنا التاريخية والتشهير بنقائصها‮… ‬كما أننا لا‮ ‬يمكن أن نَدَّعي‮ ‬بأننا اليوم بصدد بناء دولتنا الوطنية الجديدة إذا كنا نختار لرموزها السياسية مَن‮ ‬يهن فيسهل الهوان عليه،‮ ‬ومَن‮ ‬يجهل فيسهل السخرية منه،‮ ‬ومَن‮ ‬ينزل بشخصه إلى درجة أن‮ ‬يُصبح لا هو من أهل العزم الذي‮ ‬ينبغي‮ ‬أن تكون العزائم في‮ ‬مستواه،‮ ‬ولا هو من أهل الكرم‮  ‬الذي‮ ‬تأتي‮ ‬على‮ ‬يده المكارم،‮ ‬فيُمسي‮ ‬صغيرا،‮ ‬قزما،‮ ‬تَعظم في‮ ‬عينه الصغائر،‮ ‬ويَنسى أنه كبير‮ ‬ينبغي‮ ‬أن تصغر في‮ ‬عينه العظائم على حد قول المتنبي‮ ‬في‮ ‬قصيدته الشهيرة‮:‬

عَلى قَدرِ‮ ‬أَهلِ‮ ‬العَزمِ‮ ‬تَأتي‮ ‬العَزائِمُ‮ ‬

‭ ‬وَتَأتي‮ ‬عَلى قَدرِ‮ ‬الكِرامِ‮ ‬المَكارِمُ‮ ‬

وَتَعظُمُ‮ ‬في‮ ‬عَينِ‮ ‬الصَغيرِ‮ ‬صِغارُها‮ ‬

وَتَصغُرُ‮ ‬في‮ ‬عَينِ‮ ‬العَظيمِ‮ ‬العَظائِمُ

مقالات ذات صلة