تصحيح ظلم الشعب بظلم أكبر للشعب
مازلنا نحلم بوزراء يطلّون علينا لتقديم التباشير لشعب أنهكته الأزمات، فالعرف يقتضي بأن نئن ونتوجّع وهم الذين يلملمون جراحاتنا الاجتماعية ولو بأضعف الإيمان، مادامت بأيديهم حقيبة وزارية من المفروض أن تكون علبة صيدلانية لمشاكل المواطنين…
-
-
لكن تمسك وزير الطاقة السيد شكيب خليل وهو أعلم الناس بما منحته الطاقة وارتفاع سعر البترول لشعوب أصدقائه من وزراء الأوبيب برفع أسعار البنزين والمازوت يجعلنا في حالة تيهان لا نكاد نعلم شيئا عن وظيفة الوزير في الجزائر.. فالرجل الذي تجري من تحته أنهار البترول والغاز وتحلق من فوقه ملايير الدولارات، يدافع عن مرسوم لرفع سعر البنزين والغاز دون أن تقنعنا كل الحجج التي قدمها
-
فإذا كان الوزير قد تحدث عن الفارق بين التكلفة الحقيقية وسعر الاستهلاك فقد نسي أن كل شعوب العالم من حقها التمتع بالثروات التي منّ بها الله على أرضها بدليل أن العراق في الزمن البعثي وفي عز الحصار الذي فرضته عليها أمريكا ظلت تقدم لشعبها البنزين بالمجان في محطات نفط لا عامل فيها ماعدا المواطن، كما أن المكسيك وفنزويلا تقدمان لشعوبهما خدمات نفطية وكهربائية بالمجان.. أما الحجة الغريبة التي اعتمدت عليها وزارة الطاقة التي يبدو أنها ستلهب الأسعار بداية من العام الماضي هي لعبها دور الجمركي والدركي الذي يحارب التهريب عبر حدودنا الغربية والشرقية، حيث تنشط عصابات تهريب الوقود من أجل أن تشل نشاطها أو تجعل هامش ربحها والأموال التي جنتها تتقلص.. وإذا كان هذا هو تعامل بعض الوزراء مع بعض المشكلات بأن ترفع الأسعار حتى تضر الخارجين عن القانون، فإنها تكون قد حلّت مشاكلها أو مشاكل الاقتصاد الوطني بمشاكل اجتماعية أخطر كأن تقضي على تبذير بعض الناس للخبز برفع أسعاره على الجميع، وأن توقف قفة رمضان على الفقراء حتى تمنع تحويلها لمن لا يستحقونها.
-
التعامل مع الأزمات بهذا الشكل يخيف المواطن البسيط الذي صار يرى المسؤول وكأنه شخص قادم لتعزيره أو جلده على ذنوب لم يرتكبها، وصار أيضا يخشى من حلول عام جديد تكون فيه تهاني القمة عبارة عن زيادات في الأسعار والضرائب في الكماليات والضروريات.. إذا كان الاحتفال عندنا بشهر الله رمضان الذي أنزل فيه القرآن هو رعب وتفقير للمواطن، وإذا كان الناس عندنا يخشون من قدوم عيدي الفطر والأضحى خشية أن يذبحوا ماديا واجتماعيا فإن السلطة من المفروض أن تساعد هذا الشعب لا أن تبقى تؤنبه وتدفّّعه ثمن أخطاء لم يرتكبها.. فالذي يزيد في سعر البنزين الذي يستعمله سائقو ثلاثة ملايين سيارة فيزيد من أسعار تنقل العمال والطلبة والبطالين بحجة شل حركة المهربين هو كمن يزيد في أسعار الزوارق الشراعية لتفادي الهجرة غير الشرعية أو كمن يزيد في أسعار “الحبال وسم الفئران” ليمنع اليائسين من الإنتحار..
-
تعلمنا أن نقول في كل مناسبة “كل عام وأنتم بخير”.. لكنهم يصرون أن يقولوا لنا في كل مناسبة “كل عام والأسعار تلتهب”.