الرأي

تصحيح مجرى النقاش عاجلا.. ضرورة استراتيجية

محمد سليم قلالة
  • 2260
  • 0

في اللحظة التي أصبحنا فيها في حاجة ماسة إلى هيكلة تفكيرنا الجماعي لأجل تجاوز المنعرج الخطير الذي تمر به بلادنا، خاصة من الناحية الاقتصادية والأمنية، ها نحن نتفرغ لكَيْلِ التُّهم لبعضنا البعض وننحرف عن مناقشة المسائل الحقيقية التي تهمّنا ونكاد لا نطرح البتة الأسئلة الصحيحة التي يجب أن تُطرح. وكأن مشكلات المتصارعين ليست هي ذاتها مشكلات بقية الشعب الجزائري والدولة الجزائرية.

الذي يُتابع النقاشات والتلاسن الحاد بين أقطابٍ هي جميعها في السلطة أو كانت قبل وقت قليل في السلطة ومازالت بكل تأكيد تستفيد من ريعها حتى وهي تُعارض بعضها البعض، يكتشف أن محور الصراع لم يكن، ولعله لن يكون ذات يوم، خدمة الشعب الجزائري ومراعاة مكانته وموقعه بين الأمم.

يبدو أن الخلل الاستراتيجي الذي مازلنا نعاني منه في كل مرة هو أننا لا نضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.. باستمرار هي مصالح المجموعات والأفراد التي تَحْكُم سياساتنا، وأحيانا تلك المصالح الضيقة التي لا تتعدى تلبية رغبات جامحة للبعض ومريضة للبعض الآخر. في لحظة معينة يتبدل موقف هذا من اقتفاء أثر أكثر المواطنين بساطة لعله يكون مهدِّدا للدولة بتجارته على الرصيف أو نشاطه غير المرخص، فضلا عن أفكاره التي تعدّ تحريضية، إلى باحث عن تعاطف في أي مستوى لعله يزيد من حظوظه للانتصار على خصومه… وفي ذات اللحظة يتبدل موقف منسلخين عن العمق الشعبي الذي جاؤوا منه، يعرف الجميع فسادهم، إلى “وطنيين” مخلصين يريدون إنقاذ الدولة من دولة  أخرى يقولون إنها كانت داخلها، وينسون أنهم كانوا ضمن هذا الداخل الذي يرفضونه الآن.

ليتنا ننتبه إلى هذا الصراع الهامشي الذي بإمكانه أن يزرع الفتنة بيننا ويهدد أمننا القومي، ويمنعنا من أن نستجمع قوانا لعلنا في لحظة معينة ننطلق نحو أفق أرحب وأكثر متانة وصلابة تُمكننا من ضمان بقائنا وقدرتنا على مواجهة الصعاب المختلفة.

إن مشكلتنا تكمن في هذا المستوى، في ربط مستقبل بلدنا بأشخاص بعينهم، في بناء كل استراتيجياتنا المستقبلية حول موقع شخص أو مجموعة أشخاص مهما كانت عبقرية هؤلاء، بدل جعلها تتمحور حول برامج وسياسات واضحة ومحددة، حتى وإن اختلفنا معها.

لا يعجبني أولئك الذين يتحدثون باستمرار عن مخطط خماسي للبلاد دون أن نعرف تفاصيل هذا المخطط أبدا، باستثناء تلك الخطوط العريضة التي يتم عرضُها بين الحين والآخر أثناء المناسبات الانتخابية، في حين أجد أن البرنامج الذي يطرحه رؤساء المؤسسات اليوم أوضح

بكثير، اتفقنا معه أو اختلفنا، وهو ما يفسر لِمَ تبدو لنا “البترونا” هي التي تحكم وليست الحكومة. وهو ما يجعلنا نجد قراءة أكثر موضوعية لبعض الأوصاف التي تُطلَق في الغالب بدون تعليل عن رجال المال والأعمال الذي أصبحوا أهمّ من البرلمان وأهمّ من الحكومة.

سواء قبلنا أم لا، هؤلاء وضعوا لأنفسهم خطة ولديهم برنامج، سواء لأجل تحقيق “انبعاث اقتصادي” للجزائر كما يصفونه، أم لنهبها وتحطيمها كما يصفهم خصومهم.

 عندما أقرأ في مخطط منتدى رؤساء المؤسسات الصادر في جوان 2015 أجده يضع لنفسه أهدافا استراتيجية لسنة 2020 تتمثل في تحقيق نسبة نمو تقدر بـ 8 %واستحداث 60 ألف مؤسسة سنويا، وزيادة حصة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي ب15 %، وتقليص فاتورة الاستيراد بـ15 مليار دولار خلال ثلاث سنوات، وزيادة الصادرات بـ10 ملايير دولار.

 لقد أعدتُ قراءة برنامج منتدى أرباب المؤسسات المنشور بالتفصيل على انترنت Fce.dz ووجدت أنه لا يُخفي شيئا عن الرأي العام بشأن رؤيته الاقتصادية من هنا إلى غاية سنة 2020. إنه يطرح أفكاره ويبرر المطالب التي يتقدم بها للحكومة وبدون شك سيسعد إن تحققت هذه المطالب وبنسبة كبيرة. هل الخلل هو في أسلوب المنتدى؟ أم في أسلوب من كان في خندق واحد يدافعون عن المترشح الواحد في الانتخابات الرئاسية ثم تراجعوا اليوم وغيّروا موقفهم إلى النقيض تماما؟ يبدو لي أن المسألة لا تحتاج إلى الكثير من الجهد لفهم أبعادها وخلفياتها: لو كان الصراع استراتيجيا لما تغيّر بين عشية وضحاها، إنما هو تنافس تكتيكي حول من يتموقع قبل الآخر قرب مصدر القرار. وما عدا ذلك، فكلها مناورات تأخذ غلاف الوطنية أحيانا، وغلاف الدفاع عن المسحوقين مرة أخرى…

وهنا علينا أن نبحث عن الحل الحقيقي وغير المرتبط بالأشخاص ولا بالزمر أو الجماعات الضاغطة. الحل المرتبط حقيقة بمستقبل البلاد ومكانتها في العقود القادمة وبمستقبل تطوّر ورفاه واستقرار الشعب الجزائري.

إنني عندما أقرأ في مخطط منتدى رؤساء المؤسسات الصادر في جوان 2015 وأجده يضع لنفسه أهدافا استراتيجية لسنة 2020 تتمثل في تحقيق نسبة نمو تقدر بـ8 % واستحداث 60 ألف مؤسسة سنويا، وزيادة حصة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي بـ15 %، وتقليص فاتورة الاستيراد بـ15 مليار دولار خلال ثلاث سنوات، وزيادة الصادرات بـ10 ملايير دولار وتطويق الاقتصاد غير الشرعي…. إلخ (انظر ص 6) أجد أنه من واجبنا كجزائريين إذا كنا نرفض الاقتراحات التي تقدم بها هؤلاء لتحقيق هذه الأهداف أو لدينا أهداف أفضل أن نتقدم بها، وبدل أن نَعِد الناس بنسبة نمو تقدر بـ8 % سنويا، نعِدهم بأكثر أو نُقنِعهم بأن هذه النسبة وهمية وهي مجرد شعار، وذات الشيء بالنسبة للتخلص من التبعية أو لإنشاء مناصب شغل أو تأسيس شركات أو غيرها من الأهداف، وأن نجعل الرأي العام شاهدا على برامجنا وأهدافنا ونهيِّئ له الظروف ليكون حَكَما في آخر المطاف، لنا أو علينا بعيدا عن كيل التهم لبعضنا البعض أو المزايدة بوطنيةٍ مَللنا من استخدامها المفرط، أو تخوينٍ كان في أغلب الأحيان في غير محله.

إننا بحق في حاجة إلى تصحيح مجرى النقاش. ينبغي ألا نتجه نحو بديل الاستقطاب حول الأشخاص ونحوله إلى استقطاب حول الأهداف. ذلك أن النمط الأول من التفكير يؤدي بنا إلى إشاعة مزيد من العداوة والشحناء والبغضاء المولِّدة لمزيد من الكراهية والمبشّرة بالصّراع والراعية له. نحن لا نريد أن نكون مع فلان أو ضد فلان. خاصة وأننا نعلم من يكونون جميعا وكيف كانوا، إنما نريد أن نكون مع غايات استراتيجية نضعها لبلدنا ونوجِد الآليات الحقيقية لتقييمها دوريا والحكم على القائمين عليها من خلال انتخابات حرة ونزيهة، وهو ما نعنيه بالديمقراطية في أبسط معانيها.

 لعلنا إن سِرنا بهذه المنهجية في التفكير، سنتحوّل من حصر أنفسنا في الغايات الاقتصادية والاجتماعية، إلى الانتقال إلى الغايات ذات الطبيعة الاستراتيجية المتعلقة بدور ومكانة بلدنا محليا وإقليميا ولمَ لا دوليا. ذلك هو الطريق الذي يُمكن أن يوجّه تفكيرنا نحو أن نكون كبارا، أما الشكل الآخر من التفكير والذي ما فتئ يَشيع اليوم فإنه سيحجِّمنا أكثر إلى أقل مستوى ممكن، أقل ممن يصفون أنفسهم بالسياسيين ويصفق لهم الناس ربما رياء أو ضحكا على ما يقولون وهم لا يميزون. 

مقالات ذات صلة