-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
تشمل أنشطة متنوعة في الشق التجاري والثقافي والإصلاحي

تظاهرة سوق عيد الخريف بتكوت تصنع الحدث وتستقطب زوار الأوراس

صالح سعودي
  • 36
  • 0
تظاهرة سوق عيد الخريف بتكوت تصنع الحدث وتستقطب زوار الأوراس
ح.م

عاشت منطقة تكوت جنوب ولاية باتنة على وقع تظاهرة سوق عيد الخريف السنوية التي تستقطب الزوار من مختلف مناطق الأوراس والزيبان وبقية ولايات الوطن، وفقا للأنشطة المقامة التي تجمع بين الجانب التجاري والاقتصادي والإصلاحي وجوانب ثقافية فكرية وترفيهية متنوعة، تتماشى مع متطلبات المنطقة والزوار من كل الأعمار، حيث حرص المنظمون على توفير الظروف المناسبة التي تسمح بإنجاح هذه التظاهرة حتى تكون في مستوى تطلعات وآمال العارضين والزائرين.
راهن سكان منطقة تكوت بباتنة على إضفاء أجواء جديدة وايجابية تنسيهم متاعب العزلة ومآسي حرفة الموت التي فتكت بعدد كبير من أبنائهم منذ مطلع الألفية، بسبب امتهانهم لحرفة صقل الحجارة، حيث عول الكثير أن تكون تظاهرة سوق عيد الخريف السنوية مناسبة لصنع الحدث واستقطاب الزوار والتجار من مختلف بلديات باتنة وبقية الولايات المجاورة، وكذلك الترويج للبعد السياحي الذي يميز المنطقة، خصوصا وأن هذه التظاهرة معروفة بعرض مختلف المنتجات الفلاحية المحلية، من خضر وفواكه، وبيع مختلف الأدوات واللوازم، وهذا تزامنا مع حلول فصل الخريف والموسم الاجتماعي الجديد، كما يشكل مناسبة مهمة لاقتناء لوازم الأطفال بأسعار مقبولة، وهذا تحسبا للعودة إلى الدراسة، مثلما يعد فرصة سنوية للقاء أعيان عرش بني بوسليمان والأعراش المجاورة لفض النزاعات، ومناقشة عديد القضايا المطروحة عرفيا، مثل شروط الزواج ومختلف المسائل والتعاملات التي تسود سكان منطقة الأوراس، حيث وتماشيا والأعراف التي تحكم المجتمع الأوراسي وعرش بني بوسليمان بشكل خاص.
فقد عرف مسجد ابو بكر الصديق بتكوت المركز اجتماع أعيان وكبار عرش بني بوسليمان من أجل تحيين وتدارس وثيقة الزواج التي يُحتكم إليها وتسود بين الأفراد، حيث جرى اللقاء بحضور أئمة ومثقفين ورجال أعمال من مختلف المناطق، وتم الاتفاق على صياغة وثيقة جديدة تكون مرجعا لأبناء العرش في السنوات المقبلة، حيث اتفق المجتمعون على تلاوة القرارات المتخذة في جلسة علنية بحضور السلطات المحلية والولائية خلال افتتاح نسخة هذا العام من التظاهرة الثقافية لسوق عيد الخريف التي تقرر برمجتها هذا العام في الأيام الأربعة الأولى من شهر سبتمبر، بعد ما كانت تنظم في السنوات السابقة خلال الأيام الأربعة الأخيرة من شهر أوت.

مناسبة للتلاقي وتفعيل الأنشطة التجارية والثقافية
وحسب العارفين بتاريخ سوق عيد سوق الخريف بتكوت فإنه يعد بمثابة مؤتمر سنوي، ونقطة مهمة للتلاقي، خاصة وأنه يحتضن مختلف التظاهرات الثقافية والاقتصادية التي تميز منطقة الأوراس، ويحج إليه سكان المناطق والولايات المجاورة، فيحملون إليه ما جادت عليهم الأرض من خيراتها، من قمح وشعير وتمور وتين وعسل وغيرها، حيث كانت تتم عملية البيع في القديم بالمقايضة، وكان يدوم حتى يبيع الناس سلعهم ويختمون أشغالهم، كما كان يجتمع أعيان الأعراش لدراسة أمورهم الاجتماعية وآخر القضايا والمستجدات، مثل شروط الزواج وفض الخصومات وإصلاح ذات البين، والنظر في المعاملات التجارية، ومختلف القضايا المطروحة عرفيا، لتختتم التظاهرة بنشاطات ثقافية وفنية متنوعة.

وتجري فعاليات تظاهرة سوق عيد الخريف السنوية ببلدية تكوت في أجواء مميزة في الشارع الرئيسي لبلدية تكوت التابعة إداريا لولاية باتنة، حيث قرر المنظمون أن تتم وفق برنامج منوع يجمع بين الجانب التجاري والثقافي والاحتفالي.

والبداية بإقامة حفل الافتتاح بحضور ممثلي السلطات المحلية والولائية وجمهور غفير يستغل هذه التظاهرة حتى يستمتع بالعروض المقدمة من مختلف الفرق الفلكلورية التي قدمت من عديد ولايات الوطن، بغية الوقوف على التراث الثري الذي تتمتع به منطقة الأوراس وبقية مناطق الوطن، وسط تفاعل كبير من الحضور الذي يحرص على متابعة البرنامج الذي حرصت الجهات التنظيمية على إنجاحه، بغية إعطاء صورة ايجابية عن منطقة تكوت وكذلك سوق عيد الخريف المعروف بماضيه العريق الذي يمتد لأكثر من 5 قرون من الوجود، بدليل تنويع الأنشطة المقامة التي مست مختلف فئات المجتمع، منها أنشطة تجارية شملت بيع الخضر والفواكه ومختلف المنتجات التي تتميز بها المنطقة، ناهيك عن قدوم تجار من مختلف الولايات حتى تكون منتجاتهم وسلعهم قريبة من الزوار، مثلما تم تخصيص جناح للحرفيين يتوفر على الحلي ومختلف المنتجات التقليدية، كما كان للحقل الثقافي والفكري نصيب من الاهتمام، من خلال برمجة محاضرات علمية وفكرية وجلسات أدبية إبداعية ومسابقات فكرية للأطفال والكبار في أجواء من التنافس والحرص على صنع التميز، وسط تجند الجهات التنظيمية وإطارات مختصة لهذا الغرض.

تظاهرة سوق عيد الخريف… تاريخ طويل من الصمود
يجمع أغلب القائمين على تظاهرة سوق عيد الخريف على حرصهم من أجل إعادة بريقها والحفاظ على ماضيها العريق الضارب في جذور التاريخ، حيث يؤكد الأستاذ يعقوب بزالة بأن سوق عيد الخريف عمرها يزيد عن 5 قرون، وهو الأمر الذي يزيد من التحديات لإعطائها الصورة التي تستحقها، وفقا للخصوصيات التي تميزها على مر السنين من الناحية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، فيما يؤكد الدكتور عبد الفريد عبد السلام بأنه منذ قرون ومع نهاية كل شهر أوت يُضـرب ببلدة تكوت موعد لسوق سنوي ضخم، “يواكب بداية موسم الخريف سوق يلتقي فيها فلاحو عرش بني بوسليمان وقبائل الأحمر خدو والوادي الأبيض ووادي عبدي والزاب، يبيعون ويشترون ويتبادلون كل ما أنتجته أرضهم. كما يتنقل إليها تجار من مدن بعيدة بسكرة وبوسعادة ووادي سوف وتيمقاد والخروب وحتى من بلاد القبائل”، مضيفا أن عيد الخريف بتكوت ليس مناسبة اقتصادية موسمية فحسب، بل هي “ظاهرة اجتماعية يجتمع فيها وجهاء القبائل لسن القوانين المنظمة للجماعة وفك النزاعات الفردية والجماعية لسكان المنطقة، وموعد للقاء الأصدقاء بعد غياب سنة”.

وهي الجوانب التي يريد سكان المنطقة أن يتم الحفاظ عليها وتعزيزها وفقا للتطورات الحاصلة والتحديات القائمة، خاصة في ظل ضرورة الترويج الإعلامي والسياحي بالشكل الذي يسمح بتفعيل التظاهرة والحفاظ على سيرورتها نحو الأفضل، حيث يؤكد الأستاذ كمال محجوب للشروق بأن تظاهرة سوق عيد الخريف قابلة للتطوير والتحسين، وفق إستراتيجية ذات أهداف قريبة ومتوسطة وبعيدة ينخرط فيها القطاع العام والخاص والهيئات المختصة في الترويج السياحي، بغية تشجيع السياحة التاريخية تزامنا مع المناسبة، خاصة وأن المنطقة تحفل بالمواقع التاريخية عبر الأزمنة المتعاقبة، وخاصة رصيد الثورة التحريرية المظفرة من أماكن كبرى المعارك ومراكز الثورة ومواقع الهجومات والعمليات الفدائية على قوات الاحتلال الفرنسي وغيرها إلى جانب السياحة الجبلية والبيئية، وهي المنطقة التي حباها الله بموقع قلّما يتاح لغيرها، فهي بوابة الصحراء جنوبا، وتتمتع بغطاء نباتي متنوع، وغابات وأحراش كثيفة، ومنابع مائية وأودية تسيل بالمياه أبرزها الوادي الأبيض.

تكوت تضفي أجواء التآخي بأنشطة تجارية وثقافية وإصلاحية
ويستغل سكان تكوت بباتنة هذه المناسبة للكشف عن الوجه الجميل للمنطقة الذي يجمع بين الكرم وحسن الاستقبال، مثلما يحظون على تبيان الميزات الحقيقية التي تتصف بها تظاهرة سوق عيد الخريف، خاصة وأنها تصنع الحدث تجاريا واجتماعيا وإعلاميا وثقافيا وإنسانيا، وسط حرص المنظمين والمساهمين الفاعلين في إنجاح هذه التظاهرة السنوية بالشكل الذي يسمح بترقيتها واستمراريتها في أجواء احتفالية أخوية، وسط توافد كبير من مختلف مناطق الأوراس والزيبان وباقي ولايات الوطن.

ومن بين مزايا سوق عيد الخريف هو استعادة الماضي الثقافي والإصلاحي والتجاري العريق الذي تتصف به المنطقة. وكذلك تفنيد بعض المقولات التي تم تداولها في سياق معين، مثل “تكوت هز عوينك لتموت”، وهي إشارة إلى العزلة، وتلميحات أخرى رغم أن أهل تكوت معروفون بالكرم وحسن الاستقبال، مثلما تعد تظاهرة سوق عيد الخريف مناسبة مهمة لفك العزلة والتعريف بماضي وحاضر المنطقة، مع ضرورة ترقيتها أكثر من الناحية التنموية. وفي هذا الجانب، يؤكد الأستاذ غزران محمد العيد بأن سوق الخريف مناسبة اجتماعية واقتصادية هامة، كانت سابقا تشمل كل أعراش المنطقة، وفق قواسم وأنشطة مرتبطة بمناسبات دينية واجتماعية، وتأتي تتويجا لجني محاصيل السنة من مختلف المنتجات في منطقة جبل حمر خدو والمنطقة عموما، لكن بمرور الوقت أخذت طابعا آخر أملتها المستجدات الحاصلة على مر السنين. فيما يؤكد الطبيب الأديب الطيب عزوي بأنه “بين الأمس واليوم تقام هَامغْرا نْتمَنْزُوثْ.. سوق عمرها يزيد عن 5 قرون في تكوت”، مضيفا أنه عُرّفت بأنها “آخر سلسلة الحج الكبرى” نتيجة ارتباطها بالأولياء الصالحين والاستقرار الاجتماعي في المنطقة .

وحسب محدثنا فإنه يُعرف بـ”هامغرا نْتمنزوث” أو سوق عيد الخريف، وهو تظاهرة شعبية تقام في نهاية شهر أوت سنويًا في بلدية تكوت، باتنة، ما يجعلها تستقطب عددًا هاما من الحرفيين والمنتجين والتجار من مختلف ولايات الجزائر .ويؤكد الدكتور الطيب عزوي بأن عيد الخريف في تكوت ليس مجرد سوق اقتصادي، بل هو تقليد احتفالي مجتمعي متجذّر في التاريخ، يجمع بين التجارة والثقافة والتآخي والحكمة الجماعية. وهو حسب محدثنا بمثابة انعكاس حيّ لـ”سوق الحياة”، حيث تُعاد صياغة الروابط الاجتماعية والمحافظة على الهوية الثقافية للمنطقة.

تكوت… مؤهلات تستحق الاهتمام من بوابة سوق عيد الخريف
من جانب آخر، يؤكد الأستاذ مصطفى جغروري بأن تكوت عريقة عراقة سوقها السنوي، وفيها مؤهلات يمكن تفعيلها في مجالات كثيرة، فمن الناحية الفلاحية هناك أراض شاسعة من حدود غسيرة إلى الهارة غير مستغلة لشح المياه وعدم السماح للملاك بحفر الآبار. ومن تكوت حتى كيمل.

ويمكن تربية المواشي من ماعز وضان وأبقار، لكن الموالين لم يجدوا الدعم الكامل نظرا لقلة ذات اليد. وربما بسبب عزوف الشباب عن الفلاحة وتربية المواشي، لأنها متعبة، مضيفا أن تكوت لها مؤهلات أيضا من الناحية السياحية، بحكم أنها تمتاز بمناظر طبيعية خلابة، خاصة في شناوره وعكريش وحمبلة وبوستة والهارة.

بها جبال ووديان، شعاب وغابات غناءة وكهوف ومغارات لم تستغل. وحسب محدثنا “لو تم فتح الطريق بين شناوره وآريس لسمح ذلك بفك العزلة عن الجهة بالشكل الذي يحفز على استثمار كثير من الناس في هذه الطريق لترويج إمكاناتهم السياحية”. أما من الناحية الاقتصادية فيرى الأستاذ مصطفى جغروري أنه مادام أن منطقة تكوت تشتهر بمنتج المشمش فيمكن بناء مصانع للمصبرات كالمعجون والعصائر.

وما دامت تشتهر بوفرة البلوط، فيمكن تحويله إلى الكاكاو، بحكم أنه يعد من أجود أنواع هذا المنتج. مثلما تتوفر على الكثير من التين الشوكي الذي تستخلص منه منتجات هامة، مثل مواد للتجميل، مواد طبية، زيوت صحية، علف للحيوانات.. وفي الشق الثقافي، يرى محدثنا أن تكوت لها تراث زاخر بالحرف اليدوية والفنون بأنواعها، وخاصة الرحابة، القصبة، البارود، الغناء، الرقص، الحكايات، الأساطير، احتفال يناير، الشايب عاشوراء، الربيع: هيفسوين، أنواع المأكولات التقليدية الشهية، اللباس الشاوي: البرنوس، الملحفة، الحلي الذهبية والفضية.. ليصل إلى قناعة بأن العبرة في تكثيف الجهود بغية النهوض بالمنطقة وخدمتها تنمويا حتى تواكب مختلف المستجدات والتحديات.

تظاهرة عيد الخريف متعددة الأبعاد وجب الحفاظ عليها
يخلص الدكتور سمير رحماني (جامعة باتنة1) إلى القول بأن تظاهرة عيد الخريف تعد حدثا متعدد الأبعاد؛ وهي تتكرر كل سنة منذ عدة قرون؛ حيث تشمل البعد الاجتماعي والشرعي والاقتصادي والثقافي وكذا القانوني.
وانطلاقا من هنا كانت قبلة لكل أعراش جبال الأوراس وحتى من خارجها خلال هذه الفترة لعدة أهداف؛ فهناك من يقصدها قصد التجارة على اعتبار السوق الكبرى التي تتزامن مع أحداث أخرى على رأسها فض النزاعات القبلية، وتحديد قيمة المهور والديات.. وغيرها، وهو ما يوحي بوجود علماء وحكماء يتولون هذه المهمة التي تعتبر في اعتقادي هي الوظيفة الأساسية لهذه التظاهرة، وهو ما أعطى الثقل التاريخي لعرش بني بوسليمان والذي ظهر لاحقا في ثورة الأوراس الأولى وثورة نوفمبر المجيدة، مع بروز فئة “الخارجون عن القانون” حسب الاحتلال الفرنسي ومطبقي القانون حسب الأهالي.
وهذا لا ينفي أبدا البعد الاقتصادي على اعتبار أن هذه الفترة تبرز خلالها شتى المنتجات المحلية خاصة الفلاحية، وكذا جلب سلع أخرى وعرضها للبيع استعدادا لفصل الشتاء القاسي بالمنطقة. واستنادا لمفهوم تايلور عن الثقافة فإن هذه التظاهرة ثقافية بامتياز، حيث تشمل العرف والتقاليد والعادات، لكن مؤخرا فقدت التظاهرة أبعادها الأخرى باستثناء البعد التجاري رغم بعض المحاولات الفاشلة، لذلك ندعو المهتمين والقائمين بهذه البلدية إلى إضفاء كل الأبعاد التاريخية على هذه التظاهرة نظرا لأهميتها.
وبعيدا عن النشاط التجاري والثقافي والفكري والإصلاحي الذي يميز تظاهرة سوق عيد الخريف بتكوت، فإن سكان المنطقة يستغلون هذه المناسبة لدعوة جميع الجهات الوصية إلى مراعاة المطالب الحقيقية لمنطقة تكوت من الناحية الاقتصادية والتنموية، بغية المساهمة في فك العزلة وتشييد مرافق حيوية ومؤسسات اقتصادية صناعية إنتاجية، ومراعاة حاجيات الفلاحين لتشجيعهم على توسيع الأنشطة وضمان نوعية المنتج، وغيرها من الجوانب التي من شأنها أن تخفف من شبح البطالة، مع تحفيز شبان تكوت على تفادي ممارسة “حرفة الموت” التي أودت بعدد كبير من أبناء المنطقة، بسبب مخلفات داء السيليكوز الناجم عن ممارسة حرفة صقل الحجارة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!