تعالوا نتعلم من الكويت
هل من عجب أن تكون دولة شقيقة صغيرة كالكويت لا تتعدى مساحتها 18 ألف كيلومتر مربع، ولا يزيد عدد سكانها عن ثلاثة ملايين نسمة، بكل هذا الألق الثقافي والفكري والأدبي والعلمي، فتكون موطنا لكثير من الانجازات الثقافية والفكرية المهمة التي تؤكد حضور الكويت الإقليمي والدولي؛ في حين أن بلدا قارة كالجزائر يعجز فيها أبناؤها ومسؤولوها عن بناء قطاع حيوي كالقطاع الثقافي؛ حيث ما تزال كثير من الأمور”الثقافية” تُدار بسياسة أقرب ما تكون إلى “البريكولاج” والارتجال وليست عاصمة الثقافة العربية التي هي تظاهرة عربية لا تفصلنا عنها سوى أسبوعين ليست سوى دليل ساطع من أدلة كثيرة وبراهين متعددة، على استحكام الخلط والعجز والضعف وسوء التسيير وانعدام الرؤية في هذا القطاع الإنساني الحيوي الاستراتيجي.
كيف نقرأ هذا الخواء الرهيب في العالم الثقافي في بلدنا؟ كيف نفهم هذا التخبّط المشين في مسارنا الثقافي والفكري؟ كيف نستطيع استيعاب أنه ليس لدينا إصدار واحد نعتزّ ونفخر به في المجال الثقافي، بأي لغة كانت؟.
كيف نستطيع أن نصدّق كل الكلام الفارغ الذي نسمعهُ من المسؤولين وأشباه المسؤولين عن أن ثقافتنا بخير، والجزائر بخير… ونحن لا نكاد نرى أو نشم رائحة طيبة من روائح الثقافة والفكر والرشاد والتنوير والاستقامة والخير، وهي كلها من نتائج الثقافة والتثقيف، إذ بغياب الثقافة، بمفهومها الحقيقي، غابت وانطمست القيم الايجابية في الإنسان والمجتمع؟
ثم كيف نفهم ونصدّق أن مئات الملايير تُصرف في الميدان الثقافي والمجالات الفنية والأدبية، في حين أننا نفتقد إلى الحد الأدنى المطلوب من الحراك الثقافي والفكري والأدبي؟ باستثناء تظاهرات بسيطة تجري هنا وهناك وتُدعى إليها “عُصب” الأصحاب وشلل الخلان والأحبّة، وتجري فيها الكثير المهازل كما سرى الحديث عن مهرجان الفيلم العربي في وهران، ومهرجانات فنية وثقافية أخرى هنا وهناك، كما تكشفه الصحافة، وذلك ما يؤكد قناعة انعدام “الدم الثقافي” الذي ينبغي أن تجري وتسري في كل أقاليم الوطن وأرجائه الفسيحة.
إنه لبؤس.. إنها لفضيحة..
كيف نقرأ ونفهم هذا التصارع حول شؤون اتحاد الكتاب الجزائريين الذي أُفرغه الأنانيون من محتواه قبل سنوات، نتيجة سلبية وانتهازية وقصور الكثيرين ممن تعاقبوا على “رئاسته“، وكأنما تبادلوا الأدوار فيما بينهم على “قتله“، فصار بالفعل “جثة هامدة“، وهيئة بلا معنى، في حين أن البلد يتوفر على آلاف الكتاب والمؤلفين والمثقفين والمبدعين. وكان الأجدر أن يكون هذا الاتحاد مؤسسة ثقافية كبرى، تسهم في صناعة المستقبل الثقافي والأدبي والفني للجزائر، بمؤازرة هيئات ومؤسسات ثقافية أخرى؟.
أليس من المعيب أن يشتهر وينجح الجزائريون والجزائريات في الخارج، في مسابقات التأليف والإبداع والآداب والفنون، ولا يجدون في بلدهم أدنى اهتمام، لأنه لا جو ولا بيئة ثقافية وإبداعية تحضنهم وترعاهم وتملأ آفاق طموحهم وتقنعهم بأهمية الثقافة والمثقف في بلدهم، وفيهم من اختار الهجرة الطوعية؛ حتى لا يُبتلع ولا تـ“تضمُرُ” موهبته أو تموت؟
وكيف نقرأ تشاجر وتخاصم الناشرين صانعي الكتاب والقراءة والثقافة والنور المعرفي، وقد انقسموا على أنفسهم وصاروا يتنابزون بالألقاب على صفحات الصحف، ويتهم كل فريق منهم فريقا آخر بأبشع الصفات وأقذع النعوت. وتنتشر الأخبار عن سطو وسرقة وتعيينات فوقية.. وما إلى ذلك من الترهات التي لا تدلّ على أمر كما تدل على “ترهّل” الجسد الثقافي وانعدام الرؤية في هذا البلد، عند المسيرين وأهل القرار؛ سواء تعلق الأمر بالثقافة أو بغيرها.
تحدّثنا عن الكويت البلد الصغير الجميل.. تعالوا نستعرض بعض ما صنعه ويصنعه في عالم الثقافة. لن نتحدث عن مؤسسات كبيرة وعناوين ضخمة، سنتحدث فقط عن هيئة حكومية متخصصة.
في الكويت مجلس للثقافة يسمى “المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب” نشأ قبل 41 عاماً (17 جويلية 1973) ليكون إحدى وسائل قيام دولة الكويت بدورها في “عملية التنمية الفكرية والثقافية والفنية ضمن رؤية واضحة تعمل على رعاية الثقافة والفنون والنهوض بها وإفساح المجال أمام الاتصال والتواصل مع الثقافة العربية والعالمية والمجلـس الـوطني هو هيئة مستقـلة تابعة للدول ، تعمـل على تهـيئة المنـاخ المـناسب للإبداع الثقافي والفني وتنمية النشاطات الثقافية على أوسع نطاق، ويتمتع المجلس باستقلال مالي وإداري ومسؤوليات ثقافية واسعة تجعله عملياً أقرب إلى وزارات الثقافة في الدول الأخرى“… ويـرأس المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب وزيرُ الإعلام ويضـم في عضويته ممثلـين عن بعـض الجـهات الحكومية وشخصيات أدبية وثقافية وفنية.
وكانت مهام المجلس واضحة من البداية ومنها: تشجيع الاهتمام بالقراءة والكتابة، دعم ورعاية الإبداع الفني، دعم ورعاية الإبداع الفكري والثقافي المحلي، حفظ وتوثيق التراث العربي والتراث الشعبي، نشر الثقافة العامة من خلال إصدارات متنوعة…
وقد أصدر المجلس بدأب وتميّز عددا من الإصدارات منها مجلات ذات تأثير عربي وعالمي: عالم الفكرـ الثقافة العالمية ـ المسرح العالمي ـ إبداعات عالمية ـ جريدة الفنون… دون أن ننسى السلسلة الرائدة “عالم المعرفة“.. وإصدارات أخرى رائدة، وكل من تلك الإصدارات تمثل بؤرة استقطاب علمي وثقافي تمسّ آلاف المهتمين في مشارق الأرض ومغاربها، وتجد طلبا كبيرا من المهتمين والباحثين والأساتذة.
إلى جانب ذلك يهتم المجلس ـ وهو هيئة واحدة من هيئات متعددة متنوعة مهتمة بشأن التثقيف والوعي، يهتم المجلس بإقامة مهرجانات وفعاليات كمهرجان القرين الثقافي، مهرجان الكويت المسرحي، مهرجان أجيال المستقبل، مهرجان الناشئة، مهرجان الصيف الثقافي وغيرها….
السؤال الآن:
ـ لم َ التعثر هنا.. والحركية هناك؟
لمَ الكساد والخواء هنا والإنجاز والامتداد والانتشار هناك؟
لماذا أمكن إنجاز كل تلك الإصدارات؛ حيث وصلت إصدارات “عالم المعرفة” وهي سلسلة شهرية، إلى نحو 450 إصدارا متنوعا بثراء معرفي وعلمي وفكري رائع ولافت تُطبع في الكويت وتسوّق في مختلف أنحاء العالم، وتوفر إلكترونياً لمن يرغب في القراءة والمتابعة والاطلاع في موقع المجلس. في الوقت الذي لا نملك فيه صحيفة ثقافية بسيطة أو مجلة عادية أو إصدارا أقل من عادي، بل في الوقت الذي “يلهث” فيه باحثونا على نشر مقالاتهم وأبحاثهم العلمية وهناك من ينتظر سنة أو أكثر لنشر مقال؟
الجواب:
لأن هناك عملا واجتهادا وسياسة ثقافية مبنية على معطيات، وهناك جد وجدية، وهناك دأب، وهناك رؤية، وهناك سياسة ثقافية مبنية على التحليل والتقدير، وهناك قوانين راعية، والتزامات، وصرامة تسيير، وهناك معرفة بأهمّية الثقافة ووعي بدورها في بناء عالم الإنسان محليا وعربيا وعالميا. وقد بوّأ المجلس الموقر الكويت مكانا عاليا لدولة الكويت الشقيقة في الفضاء العربي وغير الفضاء العربي. فهنيئا لهم بالمجلس وهنيئا لهم بعوالم المعرفة والفكر والإبداع والثقافة.
إن المجلس الوطني للآداب في الكويت، كهيئات أخرى، له قوانين تحكمه، وله معايير تسيّره، وله أهداف مسطرة يجب تحقيقها، فهو مجلس جاد يُعنى بشؤون الثقافة والآداب، وتطوير الإنتاج ا لفكري وتوفير الجو المناسب للإنتاج الفني والأدبي، ويعمل على مسح الواقع الثقافي في الكويت، كما يجمع البيانات عن مجهودات الهيئات المختلفة في كل أوجه النشاط، ويقوم بإجراء دراسات دورية مستفيضة حول الجهود المبذولة من أجل تطوير وتنمية الثقافة وازدهار وتقدّم الآداب… وقد أنجز الكثيرَ من مهامه فأصدر المؤلفات والمعاجم والفهارس وجمع الوثائق وأقام المؤتمرات وشارك في المعارض والمهرجانات والندوات… فجعل من الكويت عاصمة للثقافة العربية الدائمة المستمرة..
وربما نعود كرة أخرى إلى الموضوع للحديث عن مجلة “العربي” وما أدراك ما“العربي” في الكويت والوطن العربي.