الرأي

تفاصيل الشيطان.. باسم الديمقراطية

محمد سليم قلالة
  • 2283
  • 0

في ظل غياب رؤية مستقبلية لمجتمعاتنا، سنجد أنفسنا ذات يوم نُناقش تفاصيل هي ذاتها الشيطان؛ أي أكبر من أن تكون مدخلا للشيطان، بل إننا سنعود إلى الوراء، إلى حقبة الانحطاط عندما غاص العالم الإسلامي في التفاصيل ونسي جوهر المشكلات التي يعيشها. أصبح الأدب صُنعة لغوية، والعلم خرافة، والدين بحثا عن الخلافات الجزئية.

على خلاف ما عرفناه منذ أكثر من ثلاثين سنة من عودة إلى الذات، وصحوة دينية، ومحاولة لاستكمال استعادة الاستقلال السياسي، بدا اليوم وكأننا نعود القهقرى إلى الجهل بالذات والغفوة الدينية والتفريط فيما حققناه.

هل أفلحت سياسات مستعمِر الأمس ومخططاته؟ أم إننا نحن الذين فشلنا في القفز إلى المستوى الأعلى المنشود؟

يبدو أن الاثنين حدثا معا وعلينا مراجعة الذات على أكثر من مستوى.

لا شك أن العامل الخارجي له دورٌ في تحويل مجرى العودة إلى الذات، إلى عودة إلى شكلياتها بدل جوهرها. كما أن له دوراً في تحويل تيارات الصحوة إلى التطرف، وعلى جعلنا ننسى ما كان حُلما ذات يوم أن نستعيد الاستقلال الاقتصادي والثقافي بعد استعادة الجانب السياسي منه.

كل هذا صحيح، وكانت ومازالت خلفه سياساتٌ وأجهزة وإمكانات، ولكن الأصح هو أننا نحن الذين فشلنا في تحقيق القفزة النوعية نحو المستقبل، نحن الذين لم نعرف كيف نضع الأولويات، وننظر إلى الكليات من خلال الجزئيات وإلى المسائل الثانوية من خلال الأساسية، نحن الذين لم نتمكّن من التخلص من القابلية للاستعمار والقابلية للاستغلال وأخيرا القابلية للاستدعاش. نحن الذين لم نتمكن من صوغ رؤية واضحة المعالم لمستقبلنا: مَن نكون وكيف ينبغي أن نكون، وأن نَصنع القيادة الملائمة (الفكرية والعلمية والسياسية) لتحقيق ذلك؟

والنتيجة نراها اليوم بكل وضوح، نقاشٌ يعود بنا القهقرى إلى ما قبل عصر الانحطاط، بظهور أهل زيغ جدد، لا هَمَّ لهم سوى النبش في التفاصيل، والبحث في الجزئيات والغوص في أحاديث تبدو كالجديدة عن رافضةٍ وجهمية وقاديانية وبهائيةوغيرها من الطوائف والفِرق الشاذة والضالة، والدعوة إلى دسترتها تطبيقا للديمقراطية، بدل الرفع من شأن قيمة العلم والعلماء اليوم، أو الدعوة إلى صوغ رؤية مشتركة جامعة للمشترك الواحد بين كافة المسلمين… 

 

أليس من واجبنا أن نسأل: هل نعيش بحق مرحلة ما بعد الاستقلال؟ أليس من واجبنا أن نعيد الأمل للأمة وندعو المسلمين إلى الالتفاف حول الكليات الجامعية بدل اتباع خطوات الشيطان فيما يُعرف بالتفاصيل

مقالات ذات صلة