تلاميذنا: بين لُغات غنائم الحضارة والحرب والعِلم !
الأديب الكاميروني مونغو بيتي Beti (1932-2001) من المفكرين الأفارقة الذين كانوا يكتبون باللغة الفرنسية ويحزّ في أنفسهم ما ترك الاستعمار الفرنسي ولغته من آثار ثقافية سلبية في البلاد الإفريقية.
وقام بيتي في مختلف كتاباته بتحليل أوضاع القارة، واستنتج أن ما يجب أن تكون عليه مهمة المثقفين الأفارقة غير الفاسدين هو “التخلص من لغة المستعمر وإتاحة للغالبية العظمى من الشعوب الإفريقية، التعامل بلغاتهم”. ثم تساءل عن سبب الولاء للغة الفرنسية المتوقع من الأفارقة الناطقين بالفرنسية، وانتقد بشدة الزعماء الأفارقة الذين كان لهم هذا الفكر. يقول عنه أندريه جيفاك Djiffack أستاذ الدراسات الفرانكفونية بجامعة أوريغون الأمريكية: “ثمة في مونغو بيتي خليط من سقراط من خلال سموّ الروح، وفولتير من خلال الوقاحة إزاء السلطة القائمة، وسارتر من خلال النضال السليط، وإيمي سيزير من خلال النضال ضد الاستعمار من أجل تحرير عالم السود”.
أما بخصوص انتشار اللغة الإنكليزية في هذا العصر، فنستغرب عندما نقرأ أن الفيلسوف الإنكليزي ديفد هيوم Hume (1711-1776) قد دعا عام 1767 إلى العمل على تفوّق اللغة الإنكليزية في المستقبل على اللغة الفرنسية فكتب: “دع الفرنسيين يفخرون بالتوسع الحالي للغتهم. إن مؤسساتنا القوية والمتنامية في أمريكا […] تَعِد اللغة الإنكليزية بمزيد من الاستقرار والمتانة”. وها قد صدق تنبؤ ديفد هيوم بعد قرون.
1. ثلاث مقالات في 3 أيام !
في أقل من أسبوع، وبمجرد أن أعلن وزير التربية عن إزاحة اللغة الفرنسية إلى السنة الرابعة، نشرت صحيفة “لوماتان دالجيري” ثلاث مقالات متتابعة لكتاب مختلفين بالعناوين التالية: “الجزائر تستبعد الفرنسية من السنة الثالثة ابتدائي… على بُعد ألف ميل من المقولة الشهيرة: الفرنسية غنيمة حرب”، ثم “من طالب الإبراهيمي إلى سعداوي: ستون سنة من الهجوم على اللغة الفرنسية في المدرسة الجزائرية”، وأخيرًا “تغيير اللغة… فقدان الذاكرة”. وعند الاطلاع على المقالات الثلاث، يتبيّن للقارئ أن الأمر لا يتعلق بثلاث مقالات مختلفة بل بمقال واحد كُتب ثلاث مرات، مع تغيير العنوان وبعض الإضافات الطفيفة، وكأن الفكرة التي تحملها هذه المقالات تخشى أن تموت إذا لم يتم تسويقها بالتكرار المملّ.
ومن حسن حظ الفرنسية أن لها، في هذه المقالات، أنصارًا أوفياء لا يتركونها تواجه العالم وحدها ! فهي، في نظرهم، لغة لا تستطيع أن تعيش إلا إذا وضعتها الدولة تحت العناية المركّزة، واستنفرت لها الأقلام كلما تغيّر ترتيبها في المدرسة الجزائرية: ما تتركه هذه المقالات من انطباع لدى القارئ هو أن أصحابها اكتشفوا فجأة أن كل ما وقع في الجزائر منذ الاستقلال كان مؤامرة متواصلة ضد الفرنسية حاكتها الحكومات المتعاقبة إلى اليوم.
وإذا كانت “مسرحية” هذه المقالات تحتاج إلى بطل، فقد وجده أصحابها جاهزا في عبارة كاتب ياسين: “الفرنسية غنيمة حرب” متناسين أنها استعارة أدبية قالها صاحبها في ظرف تاريخي معين… وها هي تتحوّل إلى نص مقدس لديهم لا يجوز الطعن فيه. لكن المنطق يقول إنه إذا كان من حق كاتب ياسين أن يقول قولته قبل 60 سنة، فعلينا ألا ننسى بأن من حق أبناء القرن الحادي والعشرين في البلاد أن يضيفوا بأن العربية غنيمة حضارة، والإنكليزية غنيمة عِلم.
فالعربية غنيمة حضارة أسهمت في بناء المعرفة الإنسانية قرونًا طويلة، وحملت بين طياتها الفلسفة والطب والرياضيات والفلك إلى أوروبا والعالم. أما الإنكليزية، فأصبحت الآن لغة العصر لا لأنها انتصرت في المنابر الأدبية بل لأنها صارت أكبر وعاء للبحث العلمي وللتعامل بين البشر في أرجاء المعمورة. أما الفرنسية، فهي لغة ثقافة رفيعة وإرث أدبي كبير، لكنها فقدت اليوم معظم مفاتيح المستقبل العلمي، ناهيك عما فعلته في مقوماتنا -نحن في الجزائر- خلال عقود طويلة. فكيف يريد منا أصحاب هذه المقالات تبجيلها؟
2. ويدافعون عن لغة المستعمر دون خجل
واللافت أن هؤلاء الكتاب يدافعون عن الفرنسية باسم الحداثة، وهم بذلك يقفون من حيث لا يشعرون، ضد أول شروط هذه الحداثة، وهو: الاعتراف بأن العالم يتطوّر. فهم يتحدثون عن الانفتاح، لكنهم يختزلون العالم في الفضاء الفرنكوفوني، وكأن آسيا لم تنهض، وكأن الجامعات الكندية والبريطانية والأسترالية لم تصبح قبلة الباحثين… وكأن الجامعات الفرنسية لا زالت تدرّس كل برامجها بالفرنسية، وكأن باحثيها لا ينشرون معظم أبحاثهم باللغة الأنكليزية !
والغريب في منطق أصحاب هذه المقالات أن المدرسة الجزائرية لا تكاد تَظهر في هذه المقالات إلا بوصفها ميدانا لإنقاذ الفرنسية، لا كمؤسسة لتكوين الجيل الصاعد… ولا أحد منهم يطرح السؤال: لماذا لا نعمل على أن يصبح التلميذ الجزائري متقنًا للعربية، قويًا في الإنكليزية، ومتمكنًا من الفرنسية، ومنفتحًا على اللغات الأخرى، وما أكثرها؟ لماذا يتحوّل النقاش دائمًا إلى فكرة أن ازدهار اللغة العربية يعني موت الغة الفرنسية، أو تقدم الإنكليزية يعني إعلان الحداد على ماكرون؟
ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن المقالات تتحدث كثيرًا عن خطر التوجه بهذه السياسة نحو “فقدان الذاكرة”… ذاكرة الأمة ! لكن هل الذاكرة التي ترتعد بمجرد إجراء تعديل برنامج سنة دراسية خاص بلغة أجنبية تمثل ذاكرة وطن! فلو كانت الفرنسية راسخة فعلًا كما يزعمون، لما كانت محطّ هذا القدر من الذعر. فأين نحن مما كتب الأديب الكاميروني مونغو بيتي في هذا الموضوع، وأين فكر أصحاب هذه المقالات من تحذيره من أن الهيمنة الثقافية للغة المستعمر يجعل الإفريقي يفكر بعقل غيره… علما أن مونغو بيتي لم يكن يدعو إلى كراهية الفرنسية، بل يطالب بتحرير العلاقة بها من إرث التبعية، لتصبح علاقة اختيار ثقافي ومعرفي، لا علاقة خضوع تاريخي.
إن اللغة الفرنسية ليست بحاجة إلى من يقيم لها مآتم في الجزائر بشكل دوري، ولا العربية بحاجة إلى من يمنحها حق الإقامة في مدرستها ووطنها، ولا الإنكليزية بحاجة إلى من يمنحها شهادة ميلاد. فاللغات الكبرى تستمد قوتها من العلم والإبداع، لا من ضجيج المقالات المتباكية.
أما المدرسة الجزائرية، فهي ليست مجلس قضاء لتصفية حسابات الذاكرة التي تتكلم عنها هذه المقالات. ومن أراد أن يخدمها حقًا، فليسأل كيف نصنع جيلا يتقن لغة هويته، ويجيد لغة العِلم، وينفتح على لغات العالم، بدل أن يبقى حبيس معركة انتهت قبل عقود.